Tuesday, August 27, 2019

#علماء_مصر_غاضبون



 منذ أيام أحتفلت مصر بعيد العلم، ورغم أن الإهتمام الحكومي بتنظيم إحتفالية سنوية بعيد العلم  هو أمر محمود، لكن لا يخفى أنه يأتي في إطار العلاقات العامة وليس الإحتفال بإنجازات حقيقية تتحقق في هذا السياق 

لذلك، ليس بغريب أن ينتشر هاشتاج يعبر عن غضب مكتوم بين علماء مصر بسبب ظروف عملهم السيئة للغاية  #علماء_مصر_غاضبون 

وللأمر أبعاد مختلفة، لا تقتصر فقط على ظروف العمل السيئة، بل تمتد إلي أكثر من ذلك، كما جاء في مقال الدكتور المحترم حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة بعنوان: خطاب مفتوح إلى رئيس جمهورية مصر العربية

 أرى أن من المناسب إقتباس مقال الدكتور حسن نافعة هنا كاملاً


السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.. رئيس جمهورية مصر العربية
تحية طيبة.. وبعد
يجتاحني شعور عميق بالقلق على مصر الدولة، وعلى مستقبل ومصير شعبها. ولأنه لم يسبق لي طوال حياتي، التي امتدت لأكثر من اثنين وسبعين عاما حتى الآن، أن شعرت بهذا النوع من القلق، وبهذه الدرجة من الحدة، فقد خطر لي أن أتوجه إليكم بالخطاب مباشرة، للتعبير عما يجول بخاطري، وهو سلوك لم أمارسه من قبل مع أي ممن تعاقبوا على المنصب الرفيع الذي تشغلونه، رغم معاصرتي لهم جميعا، بدءا بمحمد نجيب وانتهاء بعدلي منصور، مرورا بجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك وحسين طنطاوي.
تعلمون سيادة الرئيس أنني رجل اختار لنفسه أن يسلك طريق البحث العلمي، وأن يمتهن العمل الأكاديمي، تماما مثلما اخترتم لأنفسكم أن تسلكوا طريق الجندية وأن تمتهنوا العمل العسكري. وإذا كانت الأقدار قد شاءت لي أن أتمكن من الحصول على أعلى الدرجات العلمية في تخصصي، وأن أتبوأ منصب رئيس قسم العلوم السياسية في أعرق الجامعات المصرية لأكثر من ثماني سنوات، فقد شاءت لكم الأقدار نفسها أن تتمكنوا من الحصول على أعلى الرتب العسكرية، وأن تتقلدوا أرفع المناصب السياسية في الدولة المصرية، ألا وهو منصب رئاسة الجمهورية. وهكذا قدر لنا أن يضمنا وطن واحد أشغل أنا فيه موقع المواطن، بينما تشغلون فيه موقع الحاكم. ولأنني مواطن بدرجة أستاذ في العلوم السياسية، وسيادتكم حاكم بدرجة مشير في العلوم العسكرية، فمن الطبيعي أن يختلف منظور كل منا حول ما ينبغي أن تكون عليه صيغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فغلبة الحس الأمني على منظوركم قد يدفع للاعتقاد بأن العلاقة بين الحاكم والمحكوم يجب أن تكون هرمية، ومن ثم ينبغي أن تبنى على السمع والطاعة لولي الأمر. أما غلبة الحس السياسي على منظوري، فيدفع للاعتقاد بأن هذه العلاقة يجب أن تكون أفقية وتعاقدية في الوقت نفسه، ومن ثم ينبغي أن تبنى على حقوق والتزامات متبادلة، وأن ينص على تفاصيلها عقد اجتماعي يسمى الدستور.
وأيا كان الأمر، فلا شك عندي سيادة الرئيس، أن طغيان الهاجس الأمني على رؤية الحاكم، أي حاكم، للعلاقة بينه وبين المحكوم، قد تدفعه إلى تبني سياسات يحتمل أن تفضي به في نهاية المطاف إلى نتائج معاكسة تماما لتلك التي كان يستهدفها عند صياغته لها، الأمر الذي قد يفضي به إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بدون أن يتمكن في الوقت نفسه من تحقيق ما كان ينشده في البداية من أمن المجتمع واستقراره، بل قد تتسبب هذه السياسات نفسها في جلب المزيد من مظاهر عدم الاستقرار. وفي تقديري إن هذا هو ما حدث ويحدث في مصر الآن بالفعل، بصرف النظر عن حقيقة النوايا والدوافع. ولأنني توصلت إلى هذا الاستنتاج، الذي قد لا يكون صحيحا من وجهة نظركم، استنادا إلى تجربة شخصية معاشة، وليس إلى تحليلات نظرية أو رؤى أيديولوجية، أرجو أن تأذنوا لي بأن أسرد عليكم تفاصيلها لعلها تسهم في إلقاء الضوء على حقيقة ما يجري على أرض الواقع.
فمنذ ما يقرب من عامين، وحين كنت أهم بمغادرة مطار القاهرة متوجها إلى الخارج، فوجئت باسمي مدرجا على «قوائم ترقب الوصول»، ما يعني ضرورة إخضاعي لإجراءات تفتيش غير اعتيادية عند المغادرة والوصول، حيث كان يطلب مني الانتظار قليلا بمجرد تمرير جواز سفري على جهاز تدقيق البيانات، ثم يخطر مسؤول الأمن الوطني في المطار بوجودي، فيرسل الأخير بدوره مندوبا لاصطحابي من جديد إلى منطقة الجمارك، وهناك تخضع حقائبي ومتعلقاتي الشخصية لعملية إعادة تفتيش دقيقة في حضور مندوب الأمن الوطني، الذي يطلب أن أقوم بتسليمه تليفوني المحمول أو اللابتوب، أو كليهما معا لفحصها بمعرفة ضابط الأمن، وليس موظف الجمرك هذه المرة، وفي غيابي. وعادة ما تستغرق هذه الإجراءات المتتابعة مدة تتراوح بين ساعة وثلاث ساعات، يسمح لي بعدها بالتوجه إلى الطائرة، إن كنت مسافرا، أو إلى باب الخروج، إن كنت قادما من الخارج!
سيطر عليّ في البداية إحساس عميق بالإهانة الشخصية، بسبب خضوعي لهذه الإجراءات التعسفية، الأمر الذي انعكس على تصرفات بدت غاضبة أحيانا. لذا قررت مفاتحة عدد من أصدقائي في الأمر، كان على رأسهم الأستاذ محمد فائق وزير الإعلام الأسبق والرئيس الحالي للمجلس المصري لحقوق الإنسان، لعلي أعثر على مخرج، لكن بدون جدوى. وللإنصاف، فقد استغرب الرجل ما يحدث لي واستنكره، وتصور في البداية أنه ربما يكون ناجما عن سوء فهم أو عن معلومات خاطئة، ووعد بالسعى لتصحيحها «حتى لو تطلب الأمر اتصالا بأعلى المستويات»، غير أنه اضطر في النهاية إلى مصارحتي، وبدماثة خلقه المعهودة قائلا: «ما باليد حيلة!»، ولأن الإجراءات التعسفية بالمطار راحت تتخذ بالتدريج طابعا روتينيا، فقد بدأت أعتاد عليها، بل تحولت أحيانا إلى مناسبة لتبادل النكات والقفشات مع ضباط الجوازات، أو مع رجال الجمارك، وهم أناس على درجة عالية من حسن الخلق، والحرص على مراعاة الأصول. ومع الاعتياد كنت كثيرا ما أهمس لنفسي قائلا: «هذه ضريبة صغيرة ينبغي أن أدفعها، وهي لا تقاس بتضحيات جسام دفعها آخرون من مالهم وحريتهم وصحتهم وأحيانا من دمهم».
هل تعتقد الأجهزة الأمنية التي تدير مصر الآن أن مصادرة كتب يحملها مسافرون ستجعل منها بلدا أكثر أمنا وأمانا؟
سيادة الرئيس: كان يمكن للأمور أن تمضي على هذا النحو، وأن استسلم لتلك الإجراءات التي تحولت إلى عملية روتينية سخيفة، لولا وقوع حدثين عمقا من مشاعر القلق في نفسي إلى حد الإحساس بالخطر. الأول: وقع منذ عام، حين انتهت إجراءات التفتيش باحتجاز كافة الكتب التي في حوزتي، وبلغ عددها حوالي عشرين كتابا، جميعها من منشورات مركز دراسات الوحدة العربية ومتوافرة في مكتبات الجامعة. ولأن أغلبها كان من تأليف الفيلسوف المغربي المعروف محمد عابد الجابري، فما إن تسرب الخبر وقتها حتى تلقيت عشرات الاتصالات تستفسر عما إذا كان قرارا رسميا قد صدر بمنع دخول مؤلفات الجابري إلى مصر، فتحولت المسألة إلى فضيحة. ما يلفت الانتباه هنا أن أسابيع عدة مرت بدون أن يتصل بي أحد ليطلعني على مصير الكتب المحجوزة. وتصادف بعدها أن دعيت للمشاركة في مؤتمر يعقد في عمان، وعند السفر سألت في المطار عن مصير كتبي فوجدت أنها ما تزال في المخازن، فأبديت رغبتي في استردادها وحملها معي إلى عمان، فاشترطوا قيامي بسداد حوالي 400 جنيه «رسوم أرضية»، ووافقت على الفور. وفي المؤتمر طلبت من أحد الأصدقاء أن يقبل مني هذه الكتب هدية بعد أن سردت عليه قصتها، فقبلها شاكرا، لكنني فوجئت به يعيدها إليّ بنفسه بعد أقل من أسبوع قائلا: هذه كتبك وأنت أولى بها، وهكذا تمكنت من استعادة الكتب المصادرة، ولكن بطريقة ملتوية وكاشفة لطبيعة المرحلة التي تمر بها مصر. أما الحادث الثاني فوقع عقب عودتي من بيروت يوم الجمعة الماضي (2 أغسطس/آب). فقد طال توقيفي في المطار لأكثر من ثلاث ساعات، وشملت إجراءات التفتيش فحص اللابتوب بمعرفة ضابط الأمن الوطني وفي غيابي، وبعد استعادتي له تمت مصادرة كافة الكتب التي بحوزتي، وعددها 11 كتابا معظمها روايات ودواوين شعر وكتاب عن أنيس صايغ ونسختين من كتاب من تأليفي صدرت طبعته الأولى عام 1984!
سيادة الرئيس
لا أعرف بالضبط ما هي مشكلة الدولة المصرية مع الكتب في المرحلة الراهنة، خاصة حين تكون بحوزة أستاذ جامعي؟ هل تعتقد الأجهزة الأمنية التي تدير مصر الآن أن مصادرة كتب يحملها مسافرون ستجعل منها بلدا أكثر أمنا وأمانا؟ ألا تعلم هذه الأجهزة أن بوسع أي شخص أن يقتني عبر الإنترنت نسخة غير ورقية من أي كتاب يصدر في أي مكان العالم، وهل تعتقد هذه الأجهزة أن مضايقة أو استفزاز من تصنفهم معارضين سياسيين سيخيف هؤلاء، أو سيجبرهم على تغيير موقفهم من السياسات المتبعة؟ وألا ترى هذه الأجهزة أن مصر تعاني من مشكلات أخرى أولى بالمتابعة، خاصة أن الإرهاب ما زال قادرا على توجيه ضربات موجعة إلى قلب القاهرة. ما يقلقني أكثر، سيادة الرئيس، أن هذه العقلية التي تمارس ألاعيبها الصغيرة مع المعارضة، هي العقلية نفسها التي تفرض الحصار على الجامعات ومراكز البحث العلمي وتكاد تزهق روحها. وهذه ليست وجهة نظر شخصية، وإنما تعبر عن وجهة النظر السائدة لدى معظم الأساتذة المستقلين. ولنأخذ، على سبيل المثال وليس الحصر، شهادة الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية في جامعتي القاهرة والجامعة الأمريكية، الذي كتب يقول في تدوينة له نشرت على موقعه على فيسبوك بتاريخ 17/7/2019:
«لا أستطيع في الوقت الحاضر لقاء أستاذ أجنبي في جامعة القاهرة، إلا إذا تقدمت بطلب تصريح قبلها بشهرين، ولا أستطيع لقاء طلبة أجانب، ولا أستطيع لقاء صحافيين أو دبلوماسيين أجانب، وتجد (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) أشق الصعوبات عندما تحاول تنظيم نشاط علمي مع جامعة أو مركز علمي أجنبي». فهل تعتقد، سيادة الرئيس، أن بمقدور مصر أن تنهض أو أن تحقق الأمن والاستقرار لشعبها في ظل هذه الأجواء الخانقة؟
سيادة الرئيس..
لست واثقا من أنكم ستتمكنون من الاطلاع مباشرة على هذا الخطاب، ولا أعتقد أن الأجهزة المعنية ستتولى تلخيصه وعرضة بالدقة أو بالأمانة الواجبة. لذا قررت أن يكون خطابي إليكم مفتوحا ليكون الرأي العام شاهدا عليه.
حفظ الله مصر وشعبها
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
القاهرة: في 7/8/2019
كاتب وأكاديمي مصري

Thursday, August 22, 2019

القانون سلاح ذو حدين




الأصل أن القانون هو أداة حل المشكلات في المجتمع، فبدلاً من أن يقتتل الناس في الشوارع لإقتضاء حقوقهم، يقوم القضاء بهذا الدور وهو إعطاء كل ذي حق حقه. لو لم يوجد قضاء لديه القدرة على فهم المشكلة والبت فيها بجدوى وفعالية، فإن ما يصدر عنه ليس قانون يحل مشكلة في المجتمع ويحق الحق، بل مجرد قرار يضيّع الحقوق والحدود الفاصلة بينها ويخلق فوضى في المجتمع، فهو لم يفعل سوى أن صرف المتقاضين من أمامه بمشاكلهم ليبحثوا لها عن حل آخر على هواهم أو على هوى صاحب قرار آخر أكثر جدوى ونفوذ من القضاء 

لذا فإن مهمة القاضي لا يمكن اختزالها في مجرد تطبيق النصوص التشريعية، بل دوره هو تحقيق العدالة. والنصوص أداة مساعدة للقاضي، لكنها ليست نهاية المطاف، وعلى القاضي إلتزام بفهم المشكلة وفهم القانون والوصول لحل لها. القانون ليس نصاً وحيداً، بل شبكة ضخمة من النصوص تترابط فيما بينها، وتكمّل بعضها البعض. لو أن للقاضي نظرة قاصرة، لجهل أو لتقصير، استغلق عليه فهم المشكلة وفهم القانون. والقانون هنا لا يعني النصوص التشريعية، فهي لا تتجاوز كونها مجموعة تروس صغيرة في آلة ضخمة 

ولذا فإن مصلحة المجتمع تستوجب التأني في تعيين القضاة، وعدم اختيار من يستغلق فهمه للواقع وللقانون. فإن تم اختيار محدود الفهم رغم ذلك، لجهل أو لتقصير أو لمصلحة خاصة لصاحب القرار، فإن المختار يختزل عمله القضائي في تطبيق حرفي للنصوص التشريعية التي يستوعبها بدلاً من الابتكار لحل مشكلات المجتمع بنص وروح القانون. حينها يغيب عن القانون فعاليته، ويفقد القضاء رؤيته وبصره وبصيرته، وتصبح النصوص التشريعية والأحكام القضائية ساطور جزار يمزق لا مشرط جراح يعالج. ويصبح القانون هيكلاً أو شكلاً خالياً من المعنى أو الجوهر. فالقانون إن لم يهدف لتحقيق المصلحة العامة للمجتمع، أتجه نحو تحقيق المصلحة الخاصة لفئة معينة 

أتمنى أن تُعيد إدارة التفتيش القضائي تعريف دوره وتعريف أدوات قياس الفعالية القضائية في ضوء الواقع القانوني الذي نعيشه، فالواقعية القانونية هي ما تربط القانون بواقع المجتمع واحتياجاته


انقضاء الحزب الوطني والواقعية القانونية




من أهم أهداف المدرسة القانونية الواقعية أو التحليل الواقعي للقانون هو تطبيق القانون نصاً وروحاً. ففعالية القانون تكمن في جدواه في حل مشكلات المجتمع. وحل هذه المشكلات يبدأ بوجود نص، ولكن الأمر لا يتوقف فقط عند وجود النص، بل تفسيره بما يحقق الهدف منه أو الجدوى، أي فهم روح القانون. ولعلنا ندقق النظر في رسالة القضاء للفاروق عمر بن الخطاب في قوله (الفهم الفهم). هذا هو جوهر الوظيفة القضائية: فهم الواقع (أو المشكلة الواقعية) وفهم النص (أو جدواه وروحه). وبدون هذا الفهم يصبح الأمر مجرد عملية روتينية للفصل في الأنزعة وليس قضاء، ويصبح الشخص القائم بذلك هو موظف وليس قاضي، ويصبح دوره هو تطبيق النص التشريعي، وليس فهم النص (التشريعي أو الدستوري أو القرآني بحسب فهمه للواقع المعروض عليه). إذن ليس كل أصدر حكماً في نزاع يٌعد قاضياً بحق، حتى وإن تولى ولاية القضاء، وفي هذا الصدد يمكن فهم حديث الرسول-ص- القضاة ثلاثة
القضاة ثلاثةٌ قاضيانِ في النارِ وقاضٍ في الجنةِ فأما الذي في الجنةِ فرجلٌ عرفَ الحقّ فقضَى بهِ فهو فِي الجنةِ ورجلٌ عرفَ الحقَ فلم يقضِ به وجارَ في الحُكمِ فهو في النارِ ورجل لم يَعرِفِ الحق فقضَى للناسِ على جهلٍ فهو للنارِ

تذكرت كل ذلك وأنا أطالع حكم المحكمة الإدارية العليا المصرية عام ٢٠١١ بانقضاء الحزب الوطني الديمقراطي أشارت فيه إلي الواقع القانوني الذي أستدعي منها إصدار حكمها، قالت فيه
وأيا كان الأمر فإن الواقع القانوني والفعلي يتحصل في أن السلطة التشريعية بمجلسيها كانت واقعة تحت الأغلبية المصطنعة للحزب المذكور عن طريق الانتخابات التي شابتها مخالفات جسمية علي مدار السنوات الماضية

حسناً فعلت المحكمة الموقرة، فهي قامت بفهم الواقع وفهم القانون، وطبقت القانون نصاً وروحاً، لحل مشكلة عويصة في المجتمع، وأعملت فهمها القضائي بإقتدار، ولم يستغلق عليها فهم الواقع والنص، والاأهم -فهم دورها القضائي






حكم المحكمة الإدارية العليا بحل الحزب الوطني ٢٠١١

Monday, August 19, 2019

الاحتيال على التلبس والواقعية القانونية




التلبس أو الجرم المشهود هو أحد أهم الموضوعات في قانون الإجراءات الجنائية/ الجزائية وهو موضوع فرعى له أصل وله مبادئ تحكمه من الناحية النظرية ومن الناحية العملية كذلك. إذا ما تم التغاضي عن الأصول القانونية والمبادئ الحاكمة لها، تحولت الممارسة العملية إلي فوضى لا يحكمها قواعد علمية منضبطة، ومن هنا كانت اللا دولة أو شبه الدولة التي يحذر منها الجميع. التلبس له نصوص تشريعية تنظمه، وهناك مبادئ قضائية توضحه، ومن مجموع النصوص والمبادئ يتكون القانون المنظم للتلبس أو الجرم المشهود. وتأتي الشروحات الفقهية لتشرح التلبس من الناحية القانونية، ليتمكن القاضي والشرطي والمحامي وغيرهم من تمييز ما يعد تلبس عما لا يعد كذلك. فإما أن هناك تلبس أو لا، حسب توافر شروطه. ما سبق أمر مفهوم ومستقر في الأحكام القضائية. التلبس إما أن تتوافر شروطه فهو صحيح، أو لا تتوافر شروطه فهو غير صحيح وغير مرتب لآثاره 

هذا لم يمنع من ظهور حالات عملية يحاول فيها الشرطي إستغلال قانون التلبس في غير أحواله، بل والزعم أن ذلك صحيح قانوناً تحت مسمى (الاحتيال على التلبس)، ومثاله ألا يتم ذكر الواقعة كما حدثت في محضر الضبط، فبدلاً من القول بأن دليل الإدانة تم العثور عليه في درج مكتب، يزعم الشرطي في محضره أن دليل الإدانة كان موضوعاً على سطح المكتب وظاهراً للعيان (نظراً مثلاً لأن إذن التفتيش لم يصرح للشرطي البحث في أدراج المكتب). لتوضيح ما سبق بمثال، افترض أن الشرطي حصل على إذن تفتيش مسكن شخص مشتبه فيه للبحث عن تلفاز مسروق، وبالتالي فإن الإذن لا يسمح للشرطي بالبحث في أدراج مكتب حيث لا يعقل أن يوجد التلفاز في درج المكتب، لكن رغم ذلك قام الشرطي بالبحث في درج المكتب ووجد قطعة من مخدر. لو أن الشرطي أوضح في محضره أنه عثر على المخدر في درج المكتب، فلن يتم إدانة المتهم، فيلجأ الشرطي إلي الكذب ويقرر عثوره على المخدر على سطح المكتب. أخطر ما في هذا الأمر أن الشرطي مقتنع أن ما قام به لا يخالف القانون فهو لم يلجأ إلي (اختلاق التلبس) ولكنه لجأ إلي (التحايل على التلبس). فالمتهم كان يحوز قطعة الحشيش بالفعل، ولم يدسها له الشرطي. الحقيقة أن ما فعله الشرطي مخالف للقانون، بل ويشكل جريمة في حد ذاته هي جريمة التزوير المعنوى، لإقراره في محضر رسمي بأمر مخالف للحقيقة، ولو أمكن للمتهم إثبات كذب الضابط (سواء بشهادة شهود أو بوجود كاميرات صورت الواقعة) فإن أي قاضي لا يملك إلا إدانة الضابط بجريمة تزوير في محرر رسمي 

القانون فيه أصل واستثناء يتم تفسيره على نحو ضيق. سلطة الشرطي في حالة التلبس هي سلطة استثنائية، والتلبس هو تطبيق لما يعرف بالضرورة الإجرائية، وذلك إذا ما توافرت شروطها. فإما أن هناك تلبس أو لا، وليس هناك ما يسمى إختلاق تلبس، وكذلك لا يوجد ما يسمى التحايل على التلبس، فهو في حقيقته تحايل علي القانون مجرم ومعاقب عليه، خاصة وأنه قد يفتح الباب لإساءة استعمال السلطة خاصة في الجرائم السياسية بتلفيق التهم. على القاضي دور مهم في فهم الواقعة التي تعرض عليه، فهو المسئول - أمام الله- عن تصحيح الفهم الخاطئ للقانون لدى الشرطي، وذلك من خلال تحقيقه للواقعة، لذا تعتبر المحاكمة -بحق- مرحلة التحقيق النهائي، وهو ما يعتبر نوعاً من أنواع التحليل الواقعي للقانون. هذا التحليل الواقعي للقانون يشمل حالات التطبيق الصحيح للقانون وكذلك حالات التطبيق الخاطئ للقانون. ولمحكمة النقض أحكاماً رائعة طبقت فيها هذا النوع من التحليل الواقعي للقانون، وإن لم تصرح بمسماه. من ذلك مثلاً حكمها الذي ناشدت فيه المشرع تعديل مادتين في قانون الإجراءات الجنائية تتعلقا بتصدي المحكمة لوقائع أو لمتهمين غير ما ورد بالدعوى المعروضة عليها لكن هناك صلة وثيقة بها. تناولت ذلك مسبقاً في مقال بعنوان (محكمة النقض وحوكمة العمل القضائي)، مع مراعاة أن هذا الحكم سابق على التعديل الذي أدخله البرلمان لاحقاً بما يسمح للدائرة الجنائية لمحكمة النقض من تنظر كل من القانون والموضوع. ولعل من المهم مقارنة ذلك بما قامت به محكمة جنح الاسماعيلية برئاسة القاضي خالد محجوب في قضية الهروب من سجن وادي النطرون







Saturday, August 17, 2019

الانسانية بين القضاء واللاقضاء



أتاح لنا الإنترنت أن نتابع تفاصيل جلسات محاكم دول أخرى، ومنها جلسات القاضي الأمريكي فرانك كابريو والذي يجسد كثيراً الجانب الإنساني للعدالة ودور القضاء كرسالة في المجتمع وليس مجرد مهنة. المقصود بالقضاء كرسالة أن القاضي لا يطبق النصوص التشريعية بطريقة آلية، وإنما يدرس الواقع بحرفية ليطبق القانون: نصه وروحه. الحقيقة أن هناك مدرسة فكرية راسخة في المجتمع القانوني الأمريكي تُعرف بالمدرسة القانونية الواقعية، ومن روادها قضاة مثل هولمز ومثل جيروم فرانك وغيرهما. لا ينبغي لنا أن نخطأ في فهم الواقعية القانونية - أو الرسالة الإنسانية للقضاء- بأنهما تعاطف القاضي مع المتهم. هذا غير صحيح إطلاقاً. الواقعية القانونية تعني ببساطة أن القاضى يفهم النص التشريعي جيداً نصه وروحه، ويدرس الواقع الذي يستدعي تطبيق النص، ليقوم بإعلان حكم القانون في المسألة المعروضة أمامه، سواء كان ذلك يصب في صالح المتهم أو ضد صالحه. ولعل حكم محكمة النقض في قضية مقتل سوزان تميم وردها على الدفوع المثارة بخصوص م ٣ من قانون العقوبات مثال نموذجي على تطبيق الواقعية القانونية في القضاء الجنائي المصري، وهو ما سنعرض له في مقال لاحق أن شاء الله




https://en.wikipedia.org/wiki/Oliver_Wendell_Holmes_Jr.
https://en.wikipedia.org/wiki/Jerome_Frank
https://en.wikipedia.org/wiki/Karl_Llewellyn

Friday, August 16, 2019

الحوكمة لمنع تضارب تقارير قطاع النفط


يهمني دوماً متابعة الشئون البرلمانية في أي دولة أعيش بها، لأنها مدخل لفهم هذا المجتمع وبالتالي تدارس مشكلاته واقتراح حلول لها. تعلمت الكثير من متابعة الشئون البرلمانية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال رحلة علم وعمل هناك، خاصة في ظل وجود عدة قنوات متخصصة في متابعة وعرض جلسات الكونجرس، تملكها شركة سي سبان. وأتعلم الكثير من متابعة الشئون البرلمانية في الكويت، خاصة في ظل وجود قناة متخصصة لمتابعة ذلك هي قناة المجلس. وأتمنى أن توجد في مصر قناة متخصصة لتتبع الشأن البرلماني فيها بصورة احترافية


  


ومن الشئون البرلمانية التي يجب على الباحثين في القانون تتبعها وتحليلها من زاوية القانون الجزائي: مسألة استجواب وزير النفط الكويتي (الرشيدي) والذي تبعه تشكيل لجنة فنية، ثم تشكيل لجنة قضائية. كل لجنة منهما أنتهت إلي نتيجة مختلفة عن الأخرى، وقيل أن اللجنة الفنية يشوب تقريرها شبهة تعارض مصالح، مما يستدعي إلي الذهن ضرورة سن قانون لمنع تضارب المصالح يتجنب العوار الدستوري الذي كشفت عنه المحكمة الدستورية الكويتية في حكمها بشأن عدم دستورية قانون سابق ينظم هذا الأمر 

أخيراً، رغم أن اختلاف ما أنتهي إليه التقريرين قد يثير بعض الاستغراب، إلا أنه من المهم معرفة أن المعايير الفنية لتقييم أي قرار يتخذه أي مسئول لا تتطابق بالضرورة مع المعايير القانونية لتقييم صحة هذا القرار. وجوهر فكرة الإدارة الرشيدة للعمل البرلماني (أو حوكمة البرلمان) هو العمل بإستمرار على التقريب بين هذه المعايير بحيث يتم تقرير إلتزام قانوني بإحترام المعايير الفنية عند إتخاذ أي قرار. هذا لا يعني أن ليس لهذا المسئول سلطة تقديرية في إتخاذ قراره، بل يعني أن هناك إطار قانوني لضمان حسن إتخاذ القرار. فإذا ما تم إحترام هذا الإطار القانوني، فلا يمكن مسائلة متخذ القرار على ما قد يترتب عليه من سلبيات


 للوزارة مع الرشيدي- ١٨ سبتمبر ٢٠١٨

Wednesday, August 14, 2019

تعليق على حكم الدستورية الخاص بحق العمال في أرباح الشركات



بمناسبة صدور حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 134 لسنة 37 ق "دستورية" جلسة 6 / 7 / 2019
تناول الحكم بإختصار

ما هي المسألة القانونية المعروضة على المحكمة الدستورية العليا لتبت فيها؟
مدى دستورية إعطاء الجمعية العامة للشركة سلطة تقديرية مطلقة في إنشاء حق للعمال في الأرباح السنوية للشركة وفقاً للمادة ٤١ و٤٤ من قانون الشركات المصري

ليس المجال هنا تناول حجج المدعي وحجج هيئة قضايا الدولة ولا ردود المحكمة على هذه الحجج

لكن ما يلفت النظر في الحكم هو أن المحكمة تناولت المسألة الدستورية من زاوية ضيقة، تتجاوز حدود مبدأ التقييد الذاتي الذي ألزمت به المحكمة نفسها على مدار أحكام عديدة لها

المسألة لها تفصيل في القانون المقارن الذي يذخر بآحكام قضائية وآراء فقهية تسعى نحو تحقيق توازن عادل بين حقوق جميع الأطراف، ويمكن للمهتمين الإطلاع على الكتاب التالي المنشور عام ١٩٩٥
Workers' Financial Participation: East-West Experiences By Daniel Vaughan-Whitehead, International Labour Office

التحليل الواقعي للنص التشريعي الحالي يكشف عن عواره، كما يكشف عن ممارسات عملية تعوق تحقيق النص لأهدافه، نظراً لإغفال المشرع وضع ضوابط هامة تكفل حسن تطبيقه

في الواقع العملي، هناك حالات عديدة تسئ فيها الجمعية العامة استخدام سلطتها التقديرية المطلقة، ورغم تحقيق الشركة لأرباح كبيرة، إلا أنها تفضل عدم توزيعها إلا بعد مرور عدة سنوات، بعدما يكون قد غادرها عدد من العمال الذين يستثقلون رفع دعاوى قضائية للحصول على نصيبهم في الأرباح. في الحالة المعروضة على المحكمة، العامل كان قد غادر الشركة بالفعل، وطالب بنصيبه في أرباح أعوام ثلاثة حققت فيها شركات الأسمنت أرباحاً جيدة. لو أن النص التشريعي لم يضع ضوابط على سلطة الجمعية العامة في تحويل نصيب العامل من حق إحتمالي الي حق فعلي، فعلى الأقل يجب أن يرسي القضاء مبادئ تضمن حسن استعمال الجمعية العامة لهذه السلطة بدون عسف بحقوق العمال أو المساهمين، مع مراعاة أن لكل منهما مركز قانوني مختلف، ومع مراعاة أن ادخار العمال لأرباحهم له دور اقتصادي هام وهو احتمالية تحولهم لمساهمين في هذه الشركة نفسها أو في شركة أخرى قائمة أو جديدة، وهو ما يخدم الاقتصاد الوطني ككل

ومن المهم ملاحظة أن القضاء عندما يرسي مبادئ دستورية تتعلق بتطبيق النص التشريعي الحالي فإنه لا يقوم بدور المشرع. لكنه يقوم بدوره الأساسي في تطبيق القانون، و"القانون ليس هو ما يصدره المشرع، إنما القانون في واقع الأمر هو ما يطبقه القضاء" كما يرى-  بحق- أستاذنا الدكتور عوض محمد أستاذ القانون بكلية الحقوق جامعة الأسكندرية

أتمنى ألا تتذرع المحكمة بهذا الحكم في المستقبل إذا ما عرض عليها الأمر مرة أخرى، كما قررت في شأن الإدعاء الجنائي المباشر على الموظف العام، وهو ما سنعرضه في مقال لاحق

واختتم التعليق بجزء من رسالة عمر بن الخطاب الي ابي موسى الأشعري
 لاَ يَمْنَعَكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ اليوم فراجعت نفسك فيه ، وهُديتَ فيه لرشدك ، أن ترجع إلى الحق ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي في الْبَاطِلِ

Friday, August 9, 2019

السيد ياسين وحقوق الاسكندرية



خلال بحثي في موضوع الفجوة بين النص القانوني والواقع وعلاقة ذلك بفكرة حقوق الإنسان، وجدت كتاباً للسيد يس - رحمه الله- عنوانه: الكونية والأصولية وما بعد الحداثة أسئلة القرن الحادى والعشرين - الجزء الأول نقد العقل التقليدى 

عرفت من كتابه أنه درس بكلية الحقوق بجامعة الاسكندرية، وأشار في كتابه إلي أنه أحب دراسة القانون بفضل أستاذين كريمين هما الدكتور حسن كيرة، والدكتور حسن صادق المرصفاوي- رحمهما الله