Wednesday, March 27, 2019

الحماية الجنائية للسلام الديني Criminal Protection of Religious Peace



مجموعة الأفكار التالية تهدف إلي مساعدة الباحثين في هذا المجال في تتبع الموضوع في القانون المقارن


أولاً: لا يمكن تناول موضوع الحماية الجنائية للسلام الديني- وهو نوع من أنواع السلام الإجتماعي- بدون تناول واحدة من الحريات الدستورية المهمة وهي حرية التعبير، مع الأخذ في الإعتبار أن حرية التعبير لها حدود دستورية كيلا تتحول إلي تعبير عن الكراهية ضد فئة وتحيز ضدها على أساس ديني

For more details, see: Fraleigh, D. and Tuman, J., Freedom of expression in the marketplace of ideas, London: SAGE, pp. 140-166


ثانياً: هناك أمثلة عديدة وقعت بالفعل، حاول فيها البعض التستر وراء حرية التعبير رغم أن مسلكه أضر بأتباع عقيدة دينية، وقد أفلت بالفعل من المسائلة الجنائية، مثلما حدث في نشر الرسوم المسيئة للرسول-ص- في الدنمارك


For more details, see: Stephanie Lagoutte, The Cartoon Controversy In Context: Analyzing the Decision Not to Prosecute Under Danish Law, 33 Brook. J. Int'l L. (2008). Available at: http://brooklynworks.brooklaw.edu/bjil/vol33/iss2/12


ثالثاً: مازالت محاولات التوفيق بين حرية التعبير والحريات الدينية قيد التطور ولم تصل لنتائج مرضية بعد، وهو ما تبين مثلاً من النقد الذي تم توجيهه إلي الحكم الصادر من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في يناير ٢٠١٨ في القضية التالية
Sekmadienis Ltd. v. Lithuania (n°69317/14)

For more details, see: Nicolas Bauer, How to Reconcile Freedom of Expression and Religious Freedom? European Center for Law and Justice (ECLJ), February 2018. Available at https://eclj.org/free-speech/echr/comment-concilier-les-liberts-dexpression-et-de-religion-


رابعاً: في المقابل، فقد تم توجيه النقد ايضاً لذات المحكمة- المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان- بمناسبة إصدارها لحكم آخر في أكتوبر ٢٠١٨، وجوهر النقد أن المحكمة قد بالغت في حماية الحريات الدينية عندما أقرت حكم جنائي صدر في النمسا ضد شخص أساء بالقول للرسول محمد-ص، أي أن محاولة التستر وراء حرية التعبير قد فشلت، وهو الحكم الصادر في القضية التالية
CASE OF E.S. v. AUSTRIA     (Application no. 38450/12)
Available at: https://hudoc.echr.coe.int/eng#{%22itemid%22:[%22001-187188%22]}

For more details, see: Can Yeginsu and John Williams, Criminalizing Speech to Protect Religious Peace? The ECtHR Ruling in E.S. v. Austria, November 28, 2018. Available at: https://www.justsecurity.org/61642/criminalizing-speech-protect-religious-peace-ecthr-ruling-e-s-v-austria/



خامساً: الإعتداء على المعتقدات الدينية ليس قاصراً فقط على المسلمين، وإنما يشمل المعتقدات الدينية غيرهم، وهو ما يوضحه التقرير الصادر عام ٢٠١٧ من مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي


For more details, see: U.S. Government: Department of Justice- Federal Bureau of Investigation, 2017 Hate Crimes Statistics. Available at: https://ucr.fbi.gov/hate-crime/2017/topic-pages/incidents-and-offenses






للإشارة لهذا المقال
Adham Hashish, Criminal Protection of Religious Peace, Justice Diwan Blog, 27 March 2019. Available at: http://adhamhashish.blogspot.com/2019/03/blog-post_27.html



Saturday, March 23, 2019

الحماية الجنائية للأديان في القانون المقارن



للباحثين المهتمين بالبحث في موضوع الحماية الجنائية للأديان في القانون المقارن، المواقع التالية قد تكون مفيدة في التعليق على موقف التشريعات المقارنة

يتناول عدم توجيه اتهام في واقعة الرسوم المسيئة حسب القانون الدنماركي

ويتناول فكرة التوفيق بين حرية التعبير والحرية الدينية
in the case Sekmadienis Ltd. v. Lithuania (n°69317/14) about commercial advertisements attacking Christianity and public morality

وهو تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي لجرائم الكراهية ويذكر احصائية تتعلق بجرائم الكراهية
المتضمنة تحيز ديني

المكتبة الرقمية العالمية World Digital Library



يوفر موقع المكتبة الرقمية العالمية عدد من الكتب المهمة للقانونيين وغيرهم، منها مثلا 

وكتب أخرى بلغات مختلفة

Friday, March 22, 2019

التخوفات الأمنية والسياسات المعطلة


بناء هذا الوطن يحتاج إلي قدر كبير من المصارحة والمكاشفة والشفافية. استقالة الدكتور عمرو شعث نائب وزير النقل لها أسباب، ولابد من توضيح هذه الأسباب. نجاح وزير النقل في تشغيل نفق مهم وحيوي في محطة  قطارات رمسيس أمر جيد للغاية ويُحسب له، لكن السؤال لماذا لم يستطع من سبقوه تشغيله؟ المقال المقتبس بالأسفل يقدم لنا الإجابة: الاصطدام بالتخوفات الأمنية أعاقت صدور مثل هذا القرار في الماضي. وبالمناسبة، هناك نفق آخر لا يقل أهمية في محطة سيدي جابر بالاسكندرية، ومازال مغلق لتخوفات أمنية أيضاً. واضح أن التخوفات الأمنية -ولها مبررها- يمكن علاجها من خلال الإحتياطات الأمنية، وليس تعطيل المصالح وإغلاق السُبل. وواضح أن الأمر أحتاج للفريق كامل الوزير ليتمكن من أخذ هذا القرار. للأسف، هذه الظاهرة السلبية موجودة في أماكن عدة في الدولة وعطلت قرارات وسياسات مهمة للغاية. الأهم من الأنفاق، هو السياسات التي يتعطل تنفيذها لاعتبارات أخرى في غير محلها




كامل الوزير ينجح فى أول اختبار بالسكة الحديد.. وزير النقل يفتتح أهم نفق للمشاة بمحطة مصر بعد 8 سنوات من إغلاقه.. النفق يربط جراج رمسيس وأرصفة المحطة وميدان أحمد حلمى.. ووزراء النقل السابقون ترددوا بالقرار 
الخميس، 21 مارس 2019 12:00 ص اليوم السابع

كتب رضا حبيشى

نجح المهندس كامل الوزير، وزير النقل الجديد فى أول اختبار له فى السكة الحديد، حيث استطاع إعادة فتح أهم نفق للمشاة فى محطة مصر بعد التنسيق مع الجهات الأمنية عقب أكثر من 8 سنوات من إغلاقه بعدما فشل كافة وزراء النقل السابقون فى إعادة فتحه بسبب الاصطدام بالتخوفات الأمنية، إذ يربط هذا النفق جراج رمسيس بأرصفة محطة مصر وموقف أحمد حلمى الخاص بالميكروباصات والأتوبيسات.

وقالت مصادر مسئولة لـ"اليوم السابع" أن هذا النفق ينطلق من أمام جراج رمسيس متجها إلى موقف أحمد حلمى، ويتضمن مداخل ومخارج تربط أرصفة 4 و9 و10 و11 بمحطة مصر، وإنه يعتبر أهم نفق مخصص لحركة المشاة بمحطة مصر كونه يمكن للمسارفين الذين يتركون سياراتهم بجراج رمسيس الاتجاه إلى الأرصفة مباشرة واختصار المسافة التى يقطعوها وكذلك بالنسبة للقادمين للمحطين مستقلين سيارات الأجرة والميكروباصات والأتوبيسات بموقف أحمد حلمى.
وأضافت المصادر أن كامل الوزير تلاحظ خلال زيارته لمحطة مصر نهاية الأسبو الماضى بإغلاق هذا النفق خلال تفقده أعمال ترميم موقف حادث حريق محطة مصر، وعندما سأل عن أسباب إغلاق هذا النفق رد عليه المسئولين بالمحطة أنه يحتاج إلى موافقة الجهات الأمنية كونه مغلق منذ ثورة 25 يناير، وإعادة فتحه يستلزم صدور موافقة الأمن.
   
وطالب الوزير خلال جولته من القيادات الشرطية ضرورة إعادة فتح هذا النفق نتيجة لأهميته لحركة المشاة والركاب والتسهيل على الركاب مع اتخاذ كافة الإجراءات الأمنية التى تكفل تأمين المحطة من تفتيش جميع الركاب والمشاة والمتوجهين للمحطة، مؤكدا أن فتحه للتسهيل على الركاب والمواطنين لا يتعارض مع اتخاذ كافة إجراءات التأمين والتفتيش للركاب.
وأوضحت المصادر أنه بعد تنسيق كامل الوزير مع وزارة الداخلية لإعادة فتح هذا النفق تم إعادة فتحه لحركة المشاة مجددا، وهو القرار الذى فشل فى استصداره كافة وزراء النقل السابقين بسبب الاصطدام بالتخوفات الأمنية، مشيرة إلى أن وزير النقل طالب ألا تكون التخوفات الأمنية سبب فى إرهاق المواطنين والتضييق عليهم، مطالبا باتخاذ كل ما يسهل على الركاب تزامنا مع اتخاذ كافة الإجراءات التأمنينة والتفتيشية، لافتة إلى انه تم فتح النفق جزئيا لخروج الركاب من المحطة فى اتجاه ميدان رمسيس، وجارى استكمال فتحه فى اتجاه موقف أحمد حلمى مع إنهاء أعمال صيانته بعد ما أصابه طوال 8 سنوات من الإغلاق.
ولفت المصادر أن محطة مصر بدأت فى تشغيل سيارة جولف لنقل كبار السن والمرضى والمعاقين تسهيلا على المواطنين، بحيث يتم نقلهم من ساحات المحطة إلى داخلها وإلى الأرصفة، وعدم ترك هذه السيارات معطلة بالمحطة، مشددا على قيادات السكة الحديد النزول على الأرصفة واتخاذ أى إجراءات ممكن تسهل على المواطنين حركتهم داخل المحطة، مع رفع إليه أى مشكلات تحتاج إلى تدخله من أجل حلها.

Wednesday, March 20, 2019

مونسانتو ومرضى السرطان


أصدرت أمس هيئة محلفين بمحكمة فيدرالية في كاليفورنيا قرارها في قضية مدنية مرفوعة للتعويض عن إصابة شخص بالسرطان والقضية مرفوعة على شركة مونسانتو الأمريكية والتي استخدم المدعي منتجاً لها
BREAKING: Monsanto’s Roundup Likely Caused Cancer, Calif. Jury Says
Law360 (March 19, 2019, 5:18 PM EDT) -- A California federal jury found Tuesday that Monsanto's Roundup weedkiller was likely a substantial factor in causing a man's cancer, delivering a major blow to the Bayer AG unit in the first such federal bellwether trial and setting the stage for a second phase to determine damages.
Five women and one man reached their unanimous verdict in favor of plaintiff Ed Hardeman after deliberating for a week. In reaching its decision, the jury effectively rejected Monsanto’s argument that there is no way to know what caused Hardeman’s non-Hogkin lymphoma.
The verdict marked the end of the first phase of the closely watched two-part trial that began Feb. 25. In the initial phase, the jury was tasked with deciding whether science supports the conclusion that Roundup and its active ingredient, glyphosate, can generally cause non-Hogkin lymphoma and whether it specifically caused Hardeman’s cancer, leaving damages and other claims to be decided in the second phase.
Hardeman, 70, testified that he used Roundup to kill weeds and poison oak on his 56-acre property in Santa Rosa, California, for 25 more than years, between 1986 and 2012, and that mist from the spray frequently fell on his skin and face. Hardeman was diagnosed with stage 3 non-Hodgkin lymphoma in 2015 at age 66 and has since undergone cancer treatment.
A slew of oncologists and pathologists testified for both sides, presenting the jury with widely divergent views on possible links between Roundup and cancer.
During closings, Hardeman’s attorneys argued that his exposure to the herbicide had been extreme and that their experts had presented “overwhelming evidence” in the form of animal studies, mechanistic data and epidemiological data that showed the risk of getting NHL increases the more a person uses Roundup.
But Monsanto’s counsel, Brian L. Stekloff of Wilkinson Walsh Eskovitz LLP, criticized the plaintiff’s cancer studies as inadequate and unreliable. He argued that Hardeman has the most common non-Hodgkin lymphoma and ultimately it is impossible to completely rule out chronic hepatitis C and hepatitis B as a contributing factor to his cancer.
But on Tuesday, the jury sided with Hardeman, finding that it was more than 50 percent likely that his use of Roundup substantially contributed to his cancer.
The case will now proceed to the second trial phase to determine damages and whether Monsanto failed to warn Hardeman about the product's alleged cancer risks. The parties will present opening arguments in the next phase of the trial on Wednesday.
Hardeman’s lawsuit is the first case to go to trial out of hundreds of similar lawsuits that are pending before U.S. District Judge Vince Chhabria over cancer allegations involving Monsanto’s Roundup and Ranger Pro herbicides. As of January, more than 600 Roundup product liability cases had been consolidated in California’s Northern District.
The next case to go to trial will be Pilliod v. Monsanto, which is set to begin about March 28 in state court in Oakland. A second bellwether trial in the federal MDL is scheduled to start in May. However, Judge Chhabria said during a hearing earlier this month that he will likely “push the pause button” on the federal litigation after the Pilliod verdict comes down to allow the parties to consider settlement negotiations.
The Hardeman trial comes after a state jury hit Monsanto last summer with a $289 million verdict, later slashed by the state judge to $78 million, over similar claims brought by a former school groundskeeper who had sprayed 150 gallons of Ranger Pro with minimal protection on five school campuses for years. Monsanto is appealing the verdict.
Hardeman is represented by Aimee H. Wagstaff of Andrus Wagstaff, Jennifer Ann Moore of Moore Law Group PLLC and Brent Wisner of Baum Hedlund Aristei & Goldman PC.
Monsanto is represented by Brian L. Stekloff, Julie Bendix Rubenstein, Rakesh Kilaru and Tamarra Matthews Johnson of Wilkinson Walsh Eskovitz LLP.
The case is Hardeman v. Monsanto Co. et al., case number 3:16-cv-00525, and the MDL is In re: Roundup Products Liability Litigation, case number 3:16-md-02741, both in the U.S. District Court for the Northern District of California.
--Editing by Jill Coffey.


الحكم سبقه حكم آخر صدر من احدى محاكم ولاية كاليفورنيا في أغسطس ٢٠١٨ بتعويض مريض سرطان آخر بمبلغ ٢٨٩ مليون دولار، وهو ما أعقبه حكم آخر جعل المبلغ ٧٨ مليون دولار

٢٨٩ مليون دولار تعويضا لمريض سرطان في قضية ضد شركة مونسانتو الأمريكية
 August 11, 2018

نيويورك (د ب أ)- منحت هيئة محلفين في كاليفورنيا يوم الجمعة 289 مليون دولار إلى بستاني سابق قال إنه أصيب بمرض السرطان من استخدام مبيد “راوند اب”، وهو مبيد أعشاب يستخدم على نطاق واسع وتصنعه شركة “مونسانتو “الأمريكية العملاقة في مجال الصناعات الكيماوية الزراعية.ومنحت هيئة المحلفين 250 مليون دولار كتعويضات تأديبية وأكثر من 39 مليون دولار تعويض لدواين جونسون، الذي تم تشخيص إصابته بالسرطان اللمفاوي في سن 42 عام 2014 ، وفقا لتقارير إخبارية.يذكر أن جونسون هو واحد من المئات من مرضى السرطان الذين يقاضون شركة مونسانتو ، ومن المحتمل أن يشكل تطور يوم الجمعة سابقة لقضايا أخرى ضد الشركة.وقد تم تقديم موعد نظر قضية جونسون ليتم الاستماع إليها قبل الآخرين لأنه يحتضر. ونظرا لأنه كان يعمل كبستاني، فقد كان يرش مبيد “راوند اب” ومنتجا آخر تصنعه شركة “مونسانتو” وهو “رانجر برو”، في عمله في منطقة المدارس في خليج سان فرانسيسكو، حسبما قال محاموه.ويحمل جونسون مبيد “راوند اب” المسؤولية عن معاناته واتهم الشركة- التي استحوذت عليها شركة باير الألمانية مؤخرا- بإخفاء مخاطر مبيد الحشائش.وترفض شركة مونسانتو بشدة هذه المزاعم وتقول إن مادة الجليفوسات المستخدمة في مبيد الأعشاب آمنة.وقال سكوت بارتريدج ، نائب رئيس شركة مونسانتو ، في بيان أرسل بالبريد الإلكتروني إلى وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) إن الشركة تتعاطف مع جونسون وعائلته، لكن القرار لا يغير حقيقة أن أكثر من 800 دراسة ومراجعة علمية، بما في ذلك دراسة قامت بها وكالة حماية البيئة وغيرها من الوكالات التنظيمية، “تدعم الاستنتاج بأن الجليفوسات غير مسرطنة ولم تسبب سرطان السيد جونسون”.وأضاف بارتريدج أن شركة مونسانتو ستستأنف “وتدافع بقوة عن منتجنا الذي كان يستخدم بشكل آمن لمدة 40 عاما وهو أداة ضرورية وفعالة وآمنة للمزارعين وغيرهم

Monday, March 18, 2019

اصلاح القضاء بالتعويض عن أخطاءه




في متابعتي لتطبيقات المدرسة الواقعية في تحليل القانون، وجدت في الهند مثالاً نبهني لدور القضاء في إصلاح عيوب القضاء نفسه. عام ١٩٨٤ وقعت حادثة صناعية شهيرة يطلق عليها كارثة بوبال وراح ضحيتها آلاف وكشفت أوجه عوار عديدة في النظام القانوني والنظام القضائي في الهند، وتناولت تفاصيل ذلك في رسالتي للدكتوراه التي قدمتها في الولايات المتحدة الأمريكية (هامش رقم ١). وفي عام ١٩٨٧، أصدرت المحكمة العليا الهندية حكماً أرسى مبدأ مهماً (هامش رقم ٢) فيما يتعلق بالمسئولية المدنية (هامش رقم ٣) للشركات العاملة في الصناعات المنطوية على خطورة (هامش رقم ٤). لم تنتظر المحكمة العليا الهندية أن يتدخل البرلمان لعلاج القصور التشريعي، بل بادرت وقدمت حلاً قضائياً مازال معمولاً به إلي اليوم بل وقامت المحاكم بالمساهمة في تطوير وتحسين هذا الحل، وهي ظاهرة موجودة في العالم أجمع وتُعرف باسم الإجتهاد القضائي (هامش رقم ٥) وكتب الدكتور ابراهيم شحاته النائب الأسبق لرئيس البنك الدولي (هامش رقم ٦) مقالاً في هذا الموضوع (هامش رقم ٧) أثناء عمله كأستاذ للقانون في كلية الحقوق بجامعة عين شمس . المهم، أن أحوال القضاء المصري تستدعي وبشدة روح الإجتهاد القضائي لتقديم حلول تصلح من حال القضاء ذاته، وليس أقل من ذلك التعويض عن أخطاء القضاء. وقد أقرت محكمة النقض المصرية المسئولية المدنية لوزير العدل في نوع محدد من الأخطاء هو الخطأ المرفقي (هامش رقم ٨)، ونأمل أن يستمر إجتهاد هذه المحكمة العريقة وغيرها من المحاكم في هذا الشأن. وقد سبقتنا بالفعل المحاكم المغربية في تقرير مبدأ مسئولية النيابة العامة عن أخطاء الشرطة القضائية (هامش رقم ٩)ة

تذكرت كل ذلك وأنا أطالع محام يبث همه لزملاءه، فيما يلي
Mohamed Atef to Digital Law7 hrsمنذ عملي بالمحاماه أجد مشقة وبجانب تلك المشقة هناك المتعة في البحث والقراءة إلا أن الوضع القضائي الحالي لما وصلت اليه المنظومة بكاملها ينذر بأن الفترة القادمة لن يكون القضاء وسيلة لتحقيق العدالة... كل يوم نمر بمواقف ولكن اليوم حدث معي حادثة تدل على أنه لارقيب ولا يوجد من يحاسب المخطئ.... رفعت دعوى امام محكمة مدينة نصر وتحدد لنظرها جلسة ١٨ مارس ٢٠١٩ وإذ أتيت الي المحكمة وكذلك المدعي عليه وإذ نتفاجي بعدم وجود القضية بالرول والبحث عنها وجدناها انها قد تم نظرها في يوم ١١ مارس ٢٠١٩ وتم شطبها....؟ هل هذا معقول ياسادة دعوى تنظر قبل موعدها بأسبوع وجميع الأوراق بالمحكمة يوجد بها يوم ١٨ الا ان السكرتير المبجل قام بارتكاب الخطأ وقام بترحيل الجلسة قبلها بأسبوع.... قمت بالدخول للقاضي قال لي لن انظرها وروح جددها من الشطب يااستاذ وكذلك امين المحكمة وكذلك كل مسؤل في المحكمة هل يعقل ياسادة ان يتحمل المتقاضي والمحامي مسؤلية خطأ المحكمة وكذلك العاملين بها هل ضياع الحقوق أصبح سهلا؟ لن تقوم هذه الدولة في هذا الدمار الشامل من الإهمال والاستهتار (هامش رقم٩) ة 


هامش رقم ١
لمزيد من التفاصيل، راجع رسالة الدكتوراه للمؤلف للمؤلف د. أدهم أحمد حشيش في الجرائم الاقتصادية والمقدمة إلي جامعة كنساس الأمريكية
 Dr. Adham Hashish, The Criminal Entrepreneur: Rethinking Business Crime in a Global Legal Context, submitted to Kansas University School of Law, 2015

هامش رقم ٢
M. C. Mehta v. Union of India (1987) “[A]n enterprise which is engaged in hazardous or inherently dangerous industry... owes an absolute and non- delegable duty to the community to insure that no harm results to anyone .... [A]nd if any harm results on account of such activity, the enterprise must 
be absolutely liable to compensate for such harm ..."

هامش رقم ٣
Strict liability  هو نوع من أنواع المسئولية المدنية

هامش رقم ٤
Sudhir K. Chopra, Multinational Corporations in the Aftermath of Bhopal: The Need for a New Comprehensive Global Regime for Transnational Corporate Activity, 29 Val. UL Rev. 235 (1994), 248

هامش رقم ٥
Judicial activism

هامش رقم ٦
إبراهيم شحاته هو قانوني واقتصادي ومفكر مصري، والنائب الأول السابق لرئيس البنك الدولي، حاصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد، من مؤلفاته كتاب وصيتي لبلادي ذائع الصيت

هامش رقم ٧
ابراهيم شحاتة، في اجتهاد القاضي، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، جامعة عين شمس، ع٢ س 4 يوليو سنة 1962

هامش رقم ٨
أدهم أحمد حشيش، مسئولية وزير العدل، مدونة ديوان العدالة، ١١ يونيو ٢٠١٦ (يشير فيه إلي حكم محكمة النقض في الطعن رقم ٩٧٧٣ / ٦٦ ق الصادر في ٢١ ديسمبر ٢٠١٥ - حيث "قررت المحكمة ان وزير العدل مسئولا عن الحفاظ على ملفات القضايا واحالت القضية مرة اخرى الي محكمة الاستئناف التي سبق وان رفضت احقية المواطن رافع الدعوى في التعويض عن الضرر الذي اصابه"). المقال متاح في الرابط التالي
https://adhamhashish.blogspot.com/2016/06/justice-minister-liability.html

هامش رقم ٩
المملكة المغربية، المحكمة الإدارية بالرباط،  ملف رقم :٦١٣-١٢-٢٠١٢، الصادر في ٢٥ يوليو ٢٠١٣، مشار إليه في: أدهم أحمد حشيش، مسئولية النيابة العامة المغربية، مدونة ديوان العدالة، ١٤ يونيو ٢٠١٦، متاح في الرابط التالي
https://adhamhashish.blogspot.com/2016/06/moracco-prosecutions-liability.html

Saturday, March 16, 2019

الفقر والإئتمان وصراع القوة





استكمالاً لموضوع تحليل القانون باستخدام أدوات المدرسة الواقعية في تحليل القانون، وجدت عدة قراءات تساعد على شرح الموضوع وتبسيطه، لكن مازال هناك هناك روابط بين هذه القراءات لن يتم عرضها بطريقة مباشرة هنا، لعلي أخصص لها مقالاً مُفصلاً صالح للنشر في مجلة علمية

كيف تُحل مشكلة الفقر.. فى غمضة عين؟ - جلال أمين - بوابة الشروق- ٣ يونيو ٢٠١٤- تناول فيه أهمية إصلاح نظام ، الائتمان بتخليصه مما فيه من تحيز ضد الفقراء، وهو ما يتصل بما عرضته مسبقاً تحت عنوان: حق المستهلك في الحصول على الائتمان

القرار الأمريكي... ومن يملكه- محمد حسنين هيكل- تناول فيه كيف يتكون المجتمع الأمريكي من مجموعات بشرية منظمة في مواقع مختلفة، وتتوزع السلطة فيما بينها، وتتوزع أدوات القوة فيما بينها أيضاً. وما قاله الأستاذ هيكل يصلح كأساس لتحليل القرار المصري والمجتمع المصري بصفة عامة، وما جرى في ٢٠١١ وما بعدها ما هو إلا صراع بشري مشروع على أدوات القوة في المجتمع، ورغم أن الأمر في جوهره استعمال لحق مشروع في التنافس على أدوات القوة في المجتمع، إلا أنه لم يخلو من تعسف مجموعات داخل المجتمع في استعمال هذا الحق، وإلحاق ضرر بجماعات أخرى. صحيح أن هناك جماعات صوتها قوى ويمكن تتبع تفاصيل الصراع فيما بينها إلي حد ما، لكن هناك صراعات أخرى بين جماعات، ولا يمكن تتبع الصراع فيما بينها إلا بصعوبة. و من المهم ملاحظة أن هذه الجماعات متداخلة فيما بينها، ولذلك فإن قضية الفقر يمكن  إستغلالها بواسطة جماعات متصارعة أخرى غير جماعة الفقراء أنفسهم

المنهجية في العلوم الإجتماعية كتاب -بالانجليزية- كتبه العالم الألماني ماكس فايبر، وتناول فيه عدة موضوعات منها مسألة الموضوعية، وضرب عدة أمثلة تتعلق بالسياسات الإجتماعية التي تكمن خلف التشريعات

خطاب جمال عبد الناصر عن انحراف المخابرات في ٢٣ نوفمبر ١٩٦٧، تناول فيه أن ليس في مصر مراكز قوى، وتناول في نهايته ما أعتبره محاولة البعض خلق دولة المخابرات لكن الإنحرافات التي تم إكتشافها تم المحاسبة عنها

مقال منشور بالجارديان البريطانية يتناول الكيفية التي تغتني بها الدول المتقدمة من ثروات الدول المتواضعة بإستخدام ما يطلق عليه المعونات


Tuesday, March 12, 2019

جسر الجواسيس Bridge of Spies



من الأفلام الجميلة التي توضح كيف يفكر القانوني وكيف يتعامل مع العقلية الأمنية فيلم جسر الجواسيس لمخرجه ستيفن سبلبيرج وبطله توم هانكس. أتمنى أن يشاهده كل وطني مخلص سواء يعمل في حقل الأمن أو القانون، لأنه يوضح الأرضية المشتركة التي ينبغي على القانوني والأمني العمل من خلالها تحقيقاً للمصلحة العامة للوطن. الحوار الذي جرى بين البطل وأحد العاملين بوكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية حول "قواعد اللعبة" أو الدستور هو من أهم الحوارات في الفيلم


Saturday, March 9, 2019

نماذج لأزمة العقل المصري القانوني



قرأت حوار ممتع للدكتور خالد فهمي استاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية أجراه معه الدكتور يوسف الشاذلي ونشرته مدى مصر (هامش رقم ١) وتحدث فيه الدكتور خالد فهمي عن كتابه الجديد. وجذب انتباهي الفقرات التالية والتي تحتاج للبحث فيها بتعمق

فهناك تسلسل وتتبع بشكل هرمي وفي إشارة لقوانين يعني بيقولك بناءً على المادة الثالثة من الفصل الخامس من القانون. انهو قانون؟ طلع إنه اسمه قانون همايوني؛ قانون همايوني يعني قانون من السلطان، كان في قانون عثماني سلطاني، قانون عقابي مستوحى جزء منه من القانون النابليوني بس الجزء الأكبر منه تشريعات عثمانية سابقة ويرجع أصله إلى الفقه. ده صدر سنة 1850، وبعديها بسنتين اتطبّق في مصر بعد تعديلات معينة تتعلق بمَن عنده الحق في إصدار حكم الإعدام: هل هو السلطان العثماني ولا عباس باشا والي مصر؟ الموضوع له علاقة بالسيادة وهو موضوع مهم جدًا كنزاع دبلوماسي عنيف. عباس صمم إنه أحكام الإعدام التي تنفذ في مصر تصدر باسمه، وليس باسم السلطان. المهم، فده القانون اللي بيتكلموا عنه، وعندنا مطبوع موجود في الكتب بس هو طبعًا قانون قديم. ابتديت اقرأ في القانون ده وتفسيراته لأن المجالس دي تطبّقه.  اكتشفت إنه مفيش غير اتنين بس في العالم هم اللي شغالين على النظام القانوني ده: واحد اسمه الدكتور عماد هلال في جامعة قناة السويس، وهو أستاذ محترم جدًا زميلي في دار الوثائق بنشتغل من زمان على نفس القضايا دي. وواحد تاني أستاذ جليل في جامعة أمستردام، تقاعد دلوقتي، وهو يكبرني في السن اسمه روود بيترز. دول عملوا شغل عبقري، وأنا ببني على شغلهم وبشتغل معاهم
وبعدين استوقفني شيء: إنه في اشارة للمحاكم الشرعية. يعني في الوقت نفسه اللي التحقيقات اللي في القضية دي شغالة، نفس القضية تنظر أيضًا في المحكمة الشرعية. ابتديت اتساءل طيب إيه علاقة ده بالمحكمة الشرعية؟ وده نظام معقد وليه ده متكتبش عنه قبل كده؟ وهل ده كان نظام وافد باستخدام مصطلح طارق البشري، ولا ده موروث قديم بس ده بلورة جديدة ليه؟ ابتدى يكون عندي أسئلة جديدة غير اللي كنت ابتديت بيها. السؤال اللي ابتديت بيه كان متعلقًا بعلاقة الناس بالطب الحديث، وهل أقبلوا عليه أم نفروا منه؟ وبعدين لقيت الموضوع مدخلني في حتة تانية لها علاقة بالقانون والشريعة وعلاقة نظام السياسة ده بالشريعة وعلاقة القانون بالطب وتجاوب الناس؛ يعني عامة المصريين، بالممارسات دي وإزاي الممارسات دي بتولد ممارسات ثانية، وإنه نتيجة العملية دي كلها هي الحاجة اللي بنقول عليها الدولة: الإدارة الطبية، وإدارة الإحصاء، وإدارة الشرطة، والإدارة القضائية اتبلورت بالضبط بالشكل ده
خ.ف: لا، لا في مصر. إزاي النظام القانوني المصري مش عارف ده؟
ي.ش: ده في تاريخ القانون في كليات الحقوق أظن هتلاقيها مش موجودة؟
خ.ف: مش موجودة. أخذت مرة أستاذ كبير في القانون من جامعة إسكندرية برهام عطالله دار الوثائق وشاف السجلات دي. قاللي ده شيء مبهر جدًا. أولًا اللغة دي إحنا ما نعرفش نكتبها دلوقتي. وبعدين ده شيء معقد، أنا لازم أدرسه أكتر. هو أستاذ كبير فهو أدرك أنه في شيء في النظام ده مش مألوف بس مبهر. فـ كان جزء من الكتاب أنا بشرح ليه ده لم يكتب عنه وحاولت أحدد انهي كتب بالظبط اللي طمست ده. مش طمسته عن عمد، بس أنه حصل تحوّل في نظرة الناس للقانون خلت ده مش قانون خلته إدارة
السمع مثير للاهتمام. حاجة مش واضحة أوي بس هو بشكل أساسي عن القانون. زي إنه الطريقة التقليدية لسرد رواية تطور القانون في مصر هو العلمنة: إنه إحنا كان عندنا نظام ديني، وأصبح عندنا نظام وضعي أو قانوني وضعي. ودي رواية يشترك فيها الإسلاميين وغير الإسلاميين وأنا رأيي إنه ده مش سليم، وممكن يكون من الأنسب إنه إحنا نقول إنه التطور اللي حصل في النظام القانوني هو حصل من نظام يعتمد على الكلمة المسموعة في المحكمة الشرعية إلى الكلمة المكتوبة في مجالس السياسة، وإنه التحوّل ده بيعكس إختلاف معرفي (epistemological) عميق جدًا في مفهوم القانون، ومفهوم الدليل أو البينة وفي النهاية حاجات أعمق من كده، مفهوم الشخص ومفهوم العدل. ده الفصل الثاني
الفصل الخامس خليني أقوله الأول، عن حاسة اللمس، وده كان عن التعذيب وكنت بحاول أشرح -بعد ما اتكلمت عن النظام القانوني والنظام الطبي- ليه التعذيب اتلغى في لحظة ما في تاريخ القضاء المصري في 1861. التعذيب كان أصلًا دوره إيه في النظام القانوني؟ ما كانش شيء بيتم سرًا ده كان شيء علني وبعدين اتلغى. ليه اتلغى؟ كنت بدرس اللائحة دي، اسمها بشكل واضح لائحة استبدال الضرب بالحبس. وكنت بقول دي رؤية فوكودية خالص: في سجون وفي تشريح. السجون حلّت مكان التعذيب كوسيلة للعقاب والتشريح حلّ محل الضرب كوسيلة لانتزاع الاعتراف وإقامة البينة. فـ بالتالي ما بقاش لُه لزمة
 نظام المحتسب في النهاية معتمد على تواجد المحتسب بشكل دائم، وإنه الهاجس هاجس أخلاقي اللي هو هاجس الغش. في حين إنه الهاجس في القرن التاسع عشر هو هاجس صحة: إنه في مصدر خطر وإحنا مش هنتكلم عن الأخلاق
المحتسب كمراقب للأخلاق مش للأسواق
وبعدين لحظة إلغاء المحتسب في الفترة دي زي لما لغوا الضرب
بس هذا الفصل أنا -في رأيي- بيقدم تحليل أدق وأعمق عن التركيز على خيانة النخبة القانونية، أو السياسية المصرية لميراثها العقائدي، اللي هي النظرة التقليدية. هذا الفصل زي ما فوكو علمنا هو فصل تعسفي وعنيف بين الأخلاق والقانون، ولكن حصل إزاي؟ وليه؟ ده اللي إحنا محتاجين نعرفه


الحوار السابق لفت انتباهي إلي أعمال الدكتور عماد هلال أستاذ التاريج بجامعة قناة السويس، ومنها مقاله التالي: لماذا تُعرض قضايا الإعدام على المفتي (هامش رقم ٢) والذي أقتبسه كاملاً هنا

لماذا تُعرض قضايا الإعدام على المفتي؟
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
فيما مضى كانت المحاكم الشرعية الإسلامية هي التي تنظر قضايا الإعدام، بغض النظر عن ديانة القاتل أو المقتول، وكان القاضي لا يحكم بالقصاص (الإعدام) إلا ببينة شرعية، والبينة الشرعية لا تكون إلا بشاهدي عدل أو الاعتراف:
وشاهدي العدل تعني أن الشاهدين لا تشوب شهادتهما شائبة فلم يُعهد عنهما الكذب، ولا شرب الخمور والمخدرات، ولا لهما قرابة بالقاتل ولا تربطهما به مصلحة، ويجب أن يتم تعديل الشاهدين بشهادة شاهدين آخرين يعرفانهما ويشهدان بعدالتهما، والشاهدان الآخران سبق تعديلهما. ثم إنه يجب أن يشهد الشاهدان الأصليان بأنهما عاينا القتل معاينةً مباشرة، وأنهما كاملي الأهلية والعقل، وأن يسجل القاضي في "الإعلام الشرعي" (المحضر) أن شهادتهما تمت بانفراد كل منهما أمام القاضي في غياب الشاهد الآخر، وأن شهادتهما جاءت متطابقة في تحديد مكان الجريمة وزمانها ونوع آلة القتل وطريقة القتل، وأن القتيل قد مات بسبب الطعنة أو الضربة نفسها لا بسبب آخر... إلخ.
أما الاعتراف فيجب أن يكون طواعيةً بغير إكراه ولا إجبار، وأن القاتل اعترف وهو في أكمل الأوصاف المعتبرة شرعًا من الوعي والعقل والإدراك، ويجب أن ينص محضر الحكم على أن القاضي راجع المعترف ثلاث مرات لعله يغير رأيه، وأن المعترف كان يُصرُّ في كل مرة على أنه القاتل. فإذا لم تتحقق تلك الشروط؛ حكم القاضي الشرعي بغير القصاص لأن الحدود تُدرأ بالشبهات.
فلما أُنشئت المحاكم الأهلية سنة 1883م وأُحيلت عليها القضايا الجنائية بما فيها قضايا الإعدام، وكان القانون الوضعي (قانون العقوبات الأهلي) يُجيز الأخذ بالأدلة السياسية والمادية كوجود ملابس المتهم في مكان الجريمة أو مشاهدته خارجا من مسرح الجريمة، أو وجود بصماته على آلة القتل، كما يجيز القانون الوضعي الحكم بالإعدام بشهادة الشاهد الواحد، فكان من اللازم إحالة الأمر للمفتي ليتأكد من تفعيل الشروط الشرعية في قضايا الإعدام، ولذلك نص (قانون الإجراءات الجنائية) على أخذ رأي المفتي قبل الحكم.
ملحوظات مهمة:
-عندما يقول القاضي أثناء إعلان الحكم: (وبعد أخذ رأي فضيلة المفتي حكمت المحكمة بإعدام فلان) فليس معنى هذا أن المفتي وافق على الحكم، وإنما معناه فقط أنه تم استطلاع رأي المفتي طبقا لنص قانون الإجراءات. والمعتاد أن رأي المفتي يخرج من مكتبه في مظروف سري لا يطلع عليه إلا القاضي؛ ولذلك أقول لأولئك الذين يحملون المفتي مسئولية الإعدامات العشوائية: تمهلوا وتبينوا.
-أول مفتٍ أُحيلت إليه ملفات الإعدام كان هو الشيخ محمد بن محمد صالح البناء، وقد رفض الحكم بالقصاص في قضيتي الإعدام اللتين أحيلتا إليه طوال فترة عمله.
-أشهر من رفض الإعدام هو الشيخ بكري الصدفي الذي رفض الحكم بالإعدام على إبراهيم الورداني الذي قتل بطرس باشا غالي سنة 1910م، فالبرغم من أن الورداني اعترف وتفاخر بجريمته؛ إلا أن المفتي وجد أنه لا دليل على أن الرصاصات الست التي دخلت في جسد القتيل هي السبب في وفاته؛ لأنه كان حيًّا إلى حين أن دخل غرفة العمليات لإخراج الرصاصات من جسده وأنه ربما استخراج الرصاصة بفعل الطبيب هو سبب وفاته. خصوصًا وأن بعض التقارير أشارت إلى أنه كان يمكن أن يعيش بدون استخراج الرصاصات.
-أكثر من رفض القصاص في قضايا الإعدام هو الشيخ علي جمعة (21 قضية)، يليه الشيخ محمد بخيت المطيعي (14 قضية)، ثم الشيخ بكري الصدفي (12 قضية). /// أنتهي مقال الدكتور عماد هلال

ورغم أن البعض قد يجد صعوبة في ربط ما سبق بما يلي، لكن في الحقيقة هناك صلة قوية بين ما سبق وبين جوهر مقالة الدكتورة منال عمر، أستاذة الطب النفسى بجامعة عين شمس، تحليلاً لموقف الدكتور محمد البرادعي عندما جرى فض إعتصام رابعة، -هامش رقم ٣- فأستقال من منصبه إعتراضاً

(1) حكمك على تصرفات أي انسان في الدنيا حصيلة من حكمك على مكون داخلي نقدر نقول عنها انها خليط من أفكاره ومشاعره وخبراته وتاريخه ودارسته ونيته عموما، ومكون خارجي هي شكل تصرفاته الظاهر وتاريخه المعلوم وردود أفعاله قدام الناس، والناس حكمها على الأمور غالبًا مفروض يكون منصبًا على المكون الخارجي لأن النوايا محلها القلب، والقلب بيد الله وحده، ممكن النقطة دي تكون بداية جيدة لمناقشة موقف البرادعي.

(2) يبقي حضرتك لما تدرس موقف البرادعي في الأزمة الأخيرة ما تشغلش بالك بنواياه إطلاقًا.. ما تعملش زي معاتيه الإخوان اللي بيقولوا عليه في السراء والضراء انه خاين، وعميل نتيجة لرعب قياداتهم الشخصي من مواقفه النضيفة وشعبيتها (لاحظ أنا بأقول إن مواقفه هي اللي نضيفه مش هو).. ولازم تتعلم تفرق بين نضافة المواقف اللي من السهل الحكم عليها ونضافة الشخص اللي مش من السهل الحكم عليها إلا لو كنت من أقرب المقربين، وبرضه ما تعملش زي معاتيه النظام المسيطر على الحكم دلوقتي اللي وصفوا البرادعي بنفس الأوصاف الإخوانية لمجرد اختلافه معاهم في كيفية معالجة موقف الاتنين متفقين على رفضه، انسى كل الأحكام السابقة لأنها أحكام على نوايا، وركز في حكمك على التصرف أو الموقف لا الشخص ذاته.

(3) صدق أو لا تصدق، حقيقة مثبتة بفيديوهات مسجلة يمكنك البحث عنها بهدوء بدون تشنج المهم أن تتسلح بإنجليزية بسيطة، البرادعي كان معارضًا لغزو العراق، طبعًا أنا تعمدت أتكلم عن التهمة دي لأن من قدمها جعلها اسطورة ملتصقة باسمه، وكل اللي يزهق من البرادعي ليس عليه إلا أن يريح ذهنه ويستدعي عفريت العراق ويبدأ في كيل الشتائم، سواء كنت متفقًا أو مختلفًا مع البرادعي يجب عليك أن تبذل بعض الجهد وتروض شيطانك وتبذل بعض المجهود في تصديق أن هذا الرجل كان معارضًا حقيقيًا لغزو العراق.

(4) أنا ليّ رأي في البرادعي ولكني لن أعلنه لكم.. لماذا؟ لأن رأيي ببساطة لن يفيدكم في شيء، ما يفيدك حقيقة هو قدرتك على تكوين الرأي بنفسك.. أما أن تحاول امتصاص رأي جاهز فإما انت مستعد للدفاع بدون مناقشة، أو مستعد للهجوم بدون مناقشة، أو مستعد للتصديق بدون مناقشة، أو مستعد لأي شيء بدون مناقشته وعرض الأمر قليلاً على عقلك، وبعضًا قليلاً على قلبك.. وفي كل الأحوال هذا سلوك غير مفيد لكم ولي.

(5) كيف تكون رأيك في موقف البرادعي إذن، عندنا فرضيتان متعلقتان بنية البرادعي، الأولى: إن البرادعي يلعب لمصلحته الشخصية البحتة، صاحب نوبل ذو الثقل الدولي العنيف، وصاحب العلاقات المتميزة بأعتى الشخصيات في العالم وصاحب الاتصالات الممتازة بأغلب حكومات العالم الديمقراطي، الرجل الذي كان يجلس في حضرة رؤساء أعظم بكثير من أعظم رئيس ورد على مصر بدون مهابة، لا يخافهم ولا يهابهم.. محاضر في جامعات مرموقة، مبارك بكل جهازه الأمني العنيف لم يستطع الاقتراب منه قيد أنملة برغم وجوده في مصر وإعلانه تحديًا مباشرًا له، وتفاصيل أخرى، يمكنك من خلالها أن تعتقد بنسبة معقولة أن البرادعي لن يضحي بكل هذا الزخم ليضع اسمه على فعل دموي مثل عملية فض الاعتصام وبالتالي هو فضل من منبع مصلحته الشخصية أن يترك لهم المركب الملوث بالدماء على أن يفقد كل ثروته الدولية.

(6) الفرضية التانية أفضل طبعًا من الأولى بكثير، أن هذا الرجل نظيف يعشق البلد، ويدرك تمامًا تبعات فض الاعتصام بهذا الشكل وخصوصًا مع خبرته الدولية، وتسجيل اعتراضه الرسمي والواضح في تسريبات جريدة الشروق ينفي كل ادعاءات النظام الحالي بكونه موافقًا، البرادعي اعترض رسميًا قبل فض الاعتصام على فضه بالعنف، الخلاصة أنه بإتباع هذا الفرض، هذا رجل نظيف يقدر قيمة الدماء، وتبعات إزهاق الأرواح على الوطن بأكمله بمؤيديه ومعارضيه، واقتناعك بكون البرادعي يلعب لمصلحته الشخصية أو للمصلحة العامة لا يفرق في شيء لأنني كما قلت سابقًا ما يهمنا هو الموقف، ما يعنينا هو الظاهر، أما النوايا فنتركها لخالقها.

(7) موقف البرادعي لم يكن موقفه وحده، شاركه فيه بعض السياسيين والكتاب والمثقفين.. مثل عمرو حمزاوي ومصطفى النجار وبلال فضل وغيرهم، المهم أن البرادعي كان هو الأوضح لأنه ذو منصب ثقيل في النظام الحالي.. وتفجيره للموقف بشكل علني في هذا التوقيت طرح تساؤلات وصدمة كبيرة وسط المؤيدين الملتهبين بالتصفيق لبحر الدم المراق، وصدمة بسيطة بين المعارضين الذين اختلف موقف البرادعي عما أخبروهم به عنه في مكتب الإرشاد أنه خاين وعميل وجملة التهم الأخرى.

(8) التسريبات اللي نشرتها جريدة الشروق باختصار مفادها إن المفاوضات اليومية تمت مع الاخوان قبل فض الاعتصام ولفترة طويلة، وده يديك فكرة عزيزي “,”الشعب“,” عن الكلام اللي قلته لجنابك قبل كده، حضرتك بتنزل تهتف للسيسي وتقتل بتاع الاخوان، او بتاع الاخوان بينزل يهتف للإسلام ويصلب بتاع السيسي، في حين إن السيسي والمرشد في نفس ذات الوقت ممكن يكونوا قاعدين على ترابيزة واحدة بياكلوا ويتكلموا التورتة هتتقسم إزاي، وطبعًا على قد ما قدرت تقتل جنابك، على قد ما قدر اللي بيتفاوض باسمك ياكل وهو مستريح، ياكل من الأكل والتورتة في ذات الوقت، وقلت لجنابك قبل كده، عينك على اللي بيتفاوض باسمك قبل ما يكون عينك على اللي بيتفاوض معاه، ما تبقاش تحرق نفسك قوي وانت بتقتل اخوك إلا لو كنت واثق تماما إن اللي هيقعد يتفاوض مش هيقعد اصلا، انما طول ما في مفاوضات يبقى في مساومات وتجارة بالدم، دمك إنت وأخوك.

(9) نرجع للتسريبات الصحفية ونقول إن الإخوان كانوا شبه وافقوا تمامًا على تقليص مساحة اعتصام رابعة للنصف تقريبًا، ومنع المسيرات الليلية اللي كانت بتستفز الأهالي والنظام في المناطق المحيطة، ده نظير الإفراج عن الكتاتني وأبوالعلا ماضي، وده يديك فكرة عن كيف تدار الأمور، فكك بقى من قصة القضا والقضايا والجرايم، كله صاحب جريمة سواء مبارك، أو المجلس العسكري أو الاخوان، المهم امتى هتلبس الجريمة دي، لما تقع يا حبيبي.. غير كده انسى.. وطبعًا جنابك ما سألتش نفسك ليه مرسي بيتحاكم دلوقتي في قضية فشنك ليها علاقة بالتخابر مع الأطباق الفضائية ومراسلة سكان المريخ، ومش بيتحاكم على قضية واضحة زي مقتل الناس في الاتحادية، والسبب ببساطة إن مرسي لو اتحاكم على جريمة الاتحادية هيجر معاه رجل ناس زي عمنا محمد ابراهيم بتاع الداخلية اللي كان بتاع مرسي، ودلوقتي بقى بتاع السيسي، عشان كده لا تنتظر عدل على هذه الأرض، انما حاول قدر ما استطعت أن تكون مواقفك نظيفة وهذا ما حاول أن يكونه البرادعي.

(10) إذن من وجهة نظر البرادعي الدبلوماسي اللي أكل عيشه وخبرته كلها في المكاسب النظيفة من الدماء، لقي أنك عشان تخرج شخصين وممكن تحدد اقامتهم أو تراقبهم 24 ساعة هتاخد أكتر من نص مكسب الاخوان في اعتصام رابعة، وبدون قطرة دم واحدة، وممكن بعد كده تتفاوض للافراج عن الشاطر نفسه نظير انهاء كل هذا الجنون، مع ملاحظة ان خارطة الطريق اللي جنابك وافقت عليها، طلبت من الإخوان انهم ينخرطوا فيها وينخرطوا في الواقع السياسي الجديد، والبرادعي كان شايف إن الخطوات دي ممتازة جدًا مقارنة بالوقت اللي تم فيها، الاخوان كانوا عاملين زي الست الغلطانة اللي غضبت من جوزها وراحت بيت أهلها بس برغم كده عايزاه ييجي يصالحها، والبرادعي ما كانش عنده مشكلة في كده مهما تكلف الموضوع من وقت ما دام هذا الموقف سيمنع اراقة الدماء.

(11) من مساوئ الكبرياء العسكري أنه يضيق ذرعًا بالمفاوضات، ويضيق صدره بطول الوقت قبل تنفيذ الأمر، العسكرية تعني أمرًا يتم تنفيذه بمجرد الانتهاء منه حتى لو كان مصدر الأمر على خطأ، وهذا يتعارض بشدة مع سلوك الدبلوماسية، لذلك يخطئ من يعتقد أن قيادة الجيش تتفق في الشكل أو الموضوع مع سلوك شخص مثل البرادعي. الفكرة انه تم فرضه عليهم عن طريق تمرد، وائتلافات الشباب كممثل لهم ولم يملك السيسي إلا أن يقبل، العسكرية لا يعيبها سلوكها في ساحة الحرب، أما في الحياة المدنية فلا قيمة إلا لما يفعله البرادعي فقط، هناك فرق بين الحفاظ على دماء من اختلفت معهم من ابناء وطنك، واراقة دماء عدوك في ساحة الحرب، موقف البرادعي يسهل تفسيره من هذا المنطلق هو كان يريد منع اراقة الدماء بغض النظر عن عقيدة أصحابها، سواء كان هذا المنع لمجده الشخصي أو لله أو حتى لمصلحة الوطن لا فرق، المهم أن وجهة نظره أنه كان هناك طريق أطول طويلاً لتحقيق خارطة الطريق بدون هذا الجنون في اراقة الدماء، والكبرياء العسكري لم يقبل على نفسه أن يستهلك كل هذا الوقت في التفاوض مع من يستطيع سحقه بأمر يتم إصداره في ثوان معدودة.

(12) إنت لما تتأمل في تاريخ البرادعي القريب بروية شوية.. هتلاقيه كان على حق في مواقف كتير سبق فيها العصابة اللي مسمية نفسها النخبة في مصر بقرون.. والسبب وحيد.. هو خبرته العنيفة والطويلة على المستوى الدولي، لذلك التنبؤ بأشياء حدثت وسوف تحدث في دولة يرثى لها زي مصر مش أمر صعب على البرادعي، موقفه في الانسحاب من انتخابات الرئاسة كان واضحًا، عشان تكون رئيس يا تكون جيش يا اخوان وهو مش حد منهم فانسحب، عشان تعمل سلام اجتماعي لازم تعمل مصالحة ويمكن هو من اوائل الناس اللي طالبوا باحتضان بتوع الحزب الوطني اللي ما ارتكبوش جرايم، وشتمناه وقتها، وبعدها تمرد نفسها كان شغال فيها بتوع الحزب الوطني، لما نزل مصر ايام مبارك راح وش قعد مع الإخوان ولموا له فعلا أكتر من 2 مليون توقيع، لما الجيش اللي هو الجيش اللي البرادعي اكتر واحد عارف هو مين الجيش سيطر عالسلطة راح وقف معاهم عشان يحزم الموضوع بصبغة مدنية، ولما فشل استقال إذن انت قدام راجل اختلفت، او اتفقت معاه عنده قدرة غريبة على استقراء الواقع، وتصرفاته مهما كانت بتضايقك لازم تحطها في الاعتبار، لأنه عمره ما نط من مركب الا وغرق بعدها، عشان كده قلت لكم إمبارح، هتولع تاني قريب، ما تقلقوش.

(13) الانبهار اللي حصل امبارح من أداء مصطفى حجازي لا ينسيك إن ده الدور اللي كان الجيش عايز البرادعي يعمله، ده الدور اللي رفض البرادعي يعمله، الجيش كان عايزه يقف يكلم اصحابه في العالم كده ويحط صبغة دبلوماسية على بحر الدم اللي سال، وسواء كان البرادعي رفض لمصلحته الشخصية أو للمصلحة العامة، لازم تعرف إنه رفضه معناه انها قضية خسرانة، وبرغم ان مصطفى حجازي بذل جهدًا كبيرًا في انه يملأ الفراغ، إلا أن العالم برضه لسه مش مقتنع ومش هيقتنع، العالم مش عايش معاك عشان يفهم انك شلت رئيس انت قلت عليه منتخب ليه، وبعدها بشوية قتلت أنصاره، التفاصيل دي احنا نعرفها في مصر كويس انما العالم ليه النتائج، وسواء كده أو كده، البرادعي شاف القضية دي تحديدًا خسرانة، وأخد موقف في توقيت مشتعل، وكالعادة أهيلت عليه الشتائم من الطرفين، إلا أنه معتاد على ذلك دومًا، وانتهى الموضوع بـ“,”ستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله“,”.

(14) في الختام يا عزيزي “,”الإنسان“,” في كلام لازم تحاول تتأمل في معناه قبل ما تنام، إذا كان فرض علينا الحرب، وهي واقع دلوقتي فعلاً، في ناس بتعتقد إن انتصارها في الحرب معناه انك تنتصر لفكرتك أو موقفك بغض النظر عن أي خسائر في الطرف التاني، وفي ناس أرقى شوية بتعتبر انتصارها، هو أن تحققه بأقل قدر من الخسائر من الطرفين، وفي ناس أرقى بكتير من تصوراتك وتخيلاتك، بتعتبر إن انتصارها الحقيقي في الحرب، هو منعها لفكرة الحرب من الأساس بين الطرفين، ودول اللي حطوا العسكر والإخوان في بوتقة واحدة، مش قادر تستوعب منطقهم أو تبلعه، مش مهم هييجي يوم يمكن تفهم

انتهى تحليل الدكتورة منال عمر

ارى رابطاً قوياً بين المقالات الثلاث التي سبق عرضها، وهذا الرابط يتصل بأزمة يعاني منها العقل القانوني المصري، وظهرت في العديد من المواقف التي ينبغي تحليلها بإستخدام أدوات المدرسة الواقعية القانونية، لتجنب تفاقم هذه الأزمة والتي يعاني منها أساتذة القانون في محاولتهم وضع إطار فكري معقول للإجابة على تساؤلات طلابهم فيما يخص الأساس الحضاري الذي يتبناه النظام القانوني المصري بفروعه المختلفه، ومنها ما يتصل بالعدالة الجنائية بطبيعة الحال. وهو موضوع مقال لاحق إن شاء الله


ثبت بالمراجع


هامش رقم ١-  دكتور يوسف الشاذلي- تاريخ دولة تحكيه الحواس| حوار مع خالد فهمي- مدى مصر-١٣ فبراير ٢٠١٩- متاح على الرابط التالي
https://madamirror10.appspot.com/madamasr.com/ar/2019/02/23/feature/%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9/%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%aa%d8%ad%d9%83%d9%8a%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b3-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%ae%d8%a7%d9%84%d8%af-%d9%81%d9%87/


هامش رقم ٢- دكتور عماد هلال- لماذا تُعرض قضايا الإعدام على المفتي؟- صفحته الشخصية على موقع التواصل الإجتماعي فيس بوك- ٢٤ فبراير ٢٠١٩- متاح على الرابط التالي
https://www.facebook.com/emad.helal/posts/10156304379580369?hc_location=ufi

هامش رقم ٣- تامر الصادي ونور الزوام- منال عمر تحلل موقف البرادعي الأخير من القوى السياسية- البوابة نيوز- ٢٧ ديسمبر ٢٠١٣- متاح على الرابط التالي
http://www.albawabhnews.com/114884

Friday, March 8, 2019

تغييب فقه الأولويات




الدستور وثيقة مهمة توضح أولويات الصالح العام للمجتمع كله: الشعب ومن بعده الحكومة- الحكومة ومنها السلطة التنفيذية- السلطة التنفيذية وعلى رأسها رئيس الجمهورية- رئيس الجمهورية -بنص المادة ١٣٩ من الدستور- عليه أن يرعى مصالح الشعب

هي دائرة مكتملة. تبدأ بالشعب وتنتهي بالشعب. وداخل هذه الدائرة هناك مؤسسة كبيرة الحجم هي المجتمع الرسمي أو الحكومة بسلطاتها الثلاث، وهناك دوائر أخرى متنوعة الأحجام هي مؤسسات المجتمع الأهلي أو المدني. وبقدر ما يوجد قنوات تواصل بين هذه المؤسسات جميعها الرسمي منها وغير الرسمي، بقدر ما تتحدد قوة هذا المجتمع على صد أي محاولات لإختراقه وزعزعة استقراره. بقدر ما يوجد نظام داخل هذا المجتمع بين مكوناته، بقدر ما تتشكل قوة المجتمع على صد الأخطار عنه. هذا النظام لا ينبغي أن يكون مفروضاً كلية، بل لابد أن يكون متولد ذاتياً ويفرض نفسه بقوته الذاتية، وليس بقوة أكبر مكوناته وهي مؤسسة المجتمع الرسمي. بعبارة أخرى، لابد ان يفرض القانون نظاماً متولداً ذاتياً من داخل المجتمع وليس نظاماً معتمداً على مكون واحد -مهما كبر حجمه- داخل المجتمع. ولذا نقول أن النظام في المجتمع يجب أن يقوم على أساس من قوة القانون وليس قوة السلاح. ولابد أن تكون قوة القانون قوة حقيقية متولدة من إقتناع المجتمع بأهمية ذلك للصالح العام، لا أن تكون قوة القانون غلاف رقيق براق لقوة السلاح

ما سبق أعتقده أولوية الأولويات. وهو ما نعنيه عندما نردد أن الحق فوق القوة والعدل أساس الحكم. والله أعلم

Wednesday, March 6, 2019

نظام الغنائم المصرية



هناك ظاهرة سلبية للغاية تفاقمت في عهد الرئيس السابق مبارك ونعاني منها بشدة الآن وهي ظاهرة استخدام المناصب كمكافآت نهاية خدمة 

هناك نصوص دستورية - انظر هامش رقم ١- عديدة تتناول مبدأ دستوري مهم هو تكافؤ الفرص، والذي يمثل توزيع المناصب كغنائم وجوائز ومكافآت إخلالاً جسيماً بهذا المبدأ الدستوري

هذه الظاهرة ليست قاصرة على مصر بل وقعت في دول أخرى منها الولايات المتحدة الأمريكية خاصة عقب فوز حزب معين فعُرفت باسم نظام الغنائم والذي عانت منه الولايات المتحدة الامريكية فترة تأثر فيها الجهاز الإداري بسبب تعيين غير المتخصصين فيه- إلي أن انتهى هذا النظام بعدة تشريعات هدفها الفصل بين المناصب السياسية والمناصب الإدارية. ويمكن معرفة تفاصيل ذلك بالبحث العلمي في 
Cronyism
Nepotism

ويمكننا الاستفادة من البحث العلمي في هذا الموضوع لمعرفة السلبيات التي تناولتها التشريعات الأمريكية ذات الصلة والتي
 نعاني منها في مصر بشدة على عدة مستويات. ومطالعة الحوار الذي أجراه اللواء الفاضل رأفت الحجيري- أحد حراس الرئيس مبارك مع قناة الوفد على اليوتيوب تكشف أنتقاله الي احدى شركات البترول بعد انتهاء عمله في حراسة الرئيس مبارك- أنظر هامش رقم ٢- وهناك تعيينات عديدة في السكك الحديدية تكشف انها لغير المتخصصين في اماكن هامة حيوية تتعلق بالسلامة والأمان داخل المرفق



هامش رقم ١-- هناك عدة نصوص دستورية تتعلق بمبدأ تكافؤ الفرص

مادة ٤- السيادة للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات، ويصون وحدته الوطنية التي تقوم علي مبادىء المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، وذلك على الوجه المبين فى الدستور
مادة ٩- تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز
مادة ٢٧- ويلتزم النظام الاقتصادى اجتماعياً بضمان تكافؤ الفرص والتوزيع العادل لعوائد التنمية وتقليل الفوارق بين الدخول والالتزام بحد أدنى للأجور والمعاشات يضمن الحياة الكريمة، وبحد أقصى فى أجهزة الدولة لكل من يعمل بأجر، وفقا للقانون
مادة ٧٢- تلتزم الدولة بضمان استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام المملوكة لها، بما يكفل حيادها، وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية، ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص فى مخاطبة الرأي العام
مادة ٨١- تلتزم الدولة بضمان حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة والأقزام، صحيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وترفيهيا ورياضيا وتعليميا، وتوفير فرص العمل لهم، مع تخصيص نسبة منها لهم، وتهيئة المرافق العامة والبيئة المحيطة بهم، وممارستهم لجميع الحقوق السياسية، ودمجهم مع غيرهم من المواطنين، إعمالاً لمبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص

هامش رقم ٢- قناة الوفد تي في على اليوتيوب- الحلقة الاولي حارس مبارك- الدقيقة ١٤- بقول سيادته "... وكرمني {يقصد الرئيس مبارك} ووداني شركة بترول ..."- متاح على الرابط التالي
https://www.youtube.com/watch?v=S9pJ7_kNUn4

Tuesday, March 5, 2019

مدرسة التحليل الواقعي للقانون- مثال سب وقذف



هناك عدة مناهج ومدارس في تحليل القانون ولكل منها دوره في تطوير صناعة القانون، وأعتقد أن مصر بحاجة ملحة إلي  متخصصين في تحليل القانون باستخدام ادوات التحليل الواقعي للقانون. التحليل الواقعي للقانون هو تخصص قائم وموجود بالفعل في عدة دول منها مثلاً الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا
ومن أبرز رواده الفيلسوف والقانوني الألماني
والقاضي الأمريكي الشهير هولمز
Oliver Wendell Holmes Jr.

ولعل تتبع مسلك بعض القضاة الأمريكيين في تناولهم للحالات المعروضة عليهم وكيفية مراعاتهم للظروف الواقعية جنباً إلي جنب مع نصوص القانون الوضعي الذي يطبقونه يعطي نموذجاً إيجابياً للهدف من منظومة العدالة الجنائية ككل، ومنهم القاضي
Frank Caprio









ولعل تتبع مجريات إحدى جرائم السب والقذف في مصر بأدوات مدرسة التحليل الواقعي يعطي نموذجاً سلبياً لمدى أداء منظومة العدالة الجنائية في مصر لدورها الحقيقي في حماية الحقوق والمصلحة العامة، وهو مثال شهدته شخصياً ومازال لم يُفصل فيه بعد

ابريل ٢٠١٨- نشرت جريدة مصرية مقرها القاهرة خبر مكذوب عن موظف عام ويتعلق بأداءه لعمله
يونيو ٢٠١٨- تم تقديم بلاغ إلي النائب العام- رقم ٦٤٦٢- للتحقيق قضائياً في الواقعة وهي جريمة وقعت بطريق الصحف على موظف عام وتدخل في اختصاص محكمة الجنايات لأهميتها- وتختص بها محكمة أمن الدولة العليا وفقاً للمادة ١٥٨٨ من التعليمات العامة للنيابات
١١ يونيو ٢٠١٨- تمت إحالة البلاغ إلي نيابة جنوب القاهرة برقم صادر١٠٨٣
٢ يوليو ٢٠١٨- بالاستعلام كان الرد أن البلاغ لم يصل بعد إلي نيابة جنوب القاهرة ومنها إلي نيابة السيدة زينب
٥ يوليو ٢٠١٨- قررت نيابة السيدة زينب حفظ البلاغ إدارياً- رغم أن وقائع البلاغ من الوقائع واجبة التحقيق قضائياً, بيد أن النيابة الجزئية ألتفتت عن ذلك وانتهت إلى حفظ البلاغ إداريا
١٢ يوليو ٢٠١٨- تم تقديم تظلم للمحامي العام لنيابات جنوب القاهرة -على قرار الحفظ الإداري
١٨ اغسطس ٢٠١٨- تم استيفاء البلاغ بمحضر رقم ٤١٧٢ لسنة ٢٠١٨- تضمن اقوالنا فيه- على أن يتم الإستعلام عن موقع جريدة المصري اليوم و إنتظار إفادة وزارة الإتصالات بصحة الواقعة
١٦ سبتمبر ٢٠١٨- تم تقديم تظلم للنائب العام - ١٠٢٨٩ عرائض النائب العام
٢٠ سبتمبر ٢٠١٨- تصدير التظلم برقم الي نيابات جنوب القاهرة وتم ارفاقه بالمحضر الأصلي
٢٥ سبتمبر- المحضر الأصلي معروض على وكيل النيابة
٤ اكتوبر ٢٠١٩- وكيل النيابة يطلب رد مباحث الاتصالات
٢٤ ديسمبر- النيابة اصدرت لنا تصريح بالاستعلام من مباحث الاتصالات عما تم التوصل له في القضية
٣١ ديسمبر- وكيل النيابة المختص حفظ البلاغ بمسمى حفظ لحين ورود التحريات
٧ مارس ٢٠١٩- محاولة التظلم للنائب العام تم وقفها من قبل موظف على أساس أن التظلم يكون للمحامي العام الأول لنيابات استئناف القاهرة قبل التظلم للنائب العام- استلم التظلم وطلب نستعلم بعد عشرة أيام- رقم ٨٣٠ لسنة ٢٠١٩
١٩ مارس ٢٠١٩- الموظف المختص -رغم مرور عشر أيام بالفعل- طلب العودة للإستعلام منه بعد ثلاثة أيام أخرى
١٤ ابريل ٢٠١٩ الأحد- بالاستعلام عن التطورات طلب وكيل النيابة ه ب حضور المحامي لفتح تحقيق بخصوص الواقعة
١٥ ابريل ٢٠١٩ الاثنين- استعلم وكيل النيابة من المحام عن الشاكي وسبب وجوده خارج البلاد وميعاد عودته وبعد الإطلاع على سند الوكالة طلب حضور المحام المذكور اسمه في التوكيل ولم يعتد بسند وكالة المحامي الحاضر والذي تابع الموضوع منذ بدايته

الانثروبولوجي والاجتماع القانوني


مصر بحاجة إلي متخصصين في علم الإجتماع القانوني وفي الانثروبولوجي (أو علم تحضر الإنسان) القانوني
هذين التخصصين من ضمن العلوم المساعدة لعلم القانون
وبدونهما يتشتت الفقيه القانوني بالجزئيات ويصعب عليه تناول القانون من خلال رؤية استراتيجية متكاملة
وبدونهما يكون البرلمان مكاناً لتعليب القوانين وليس صانعاً للقرار التشريعي الذي يعكس بحق المصالح المجتمعية
تذكرت ذلك وأنا أقرأ ما يتم تداوله عبر التواصل الاجتماعي- ولا يعني ذلك بالضرورة صحة ما فيه- بل يعني ضرورة تحليله وفحصه من الناحية العلمية باستخدام ادوات العلوم المساعدة لعلم القانون ومنها الاجتماع القانوني والانثربولوجي القانوني
ومحاولة الإجابة على سؤال ملح: هل القواعد القانونية الحالية تهدف إلي تحضر الإنسان المصري وتحضر المجتمع المصري؟

Shady Lewis Botros February 27 at 6:11 PM
في مرحلة في غاية التعاسة من حياتي المهنية، كنت شغال في شركة مقاولات صغيرة بتبني عمارات في النزهة الجديدة، واصحاب الشركة كانوا اقباط، والعمال كمان كانوا كلهم أقباط، باستثناء صبي محارة اسمه محمد، ومحمد ده ليه قصة في منتهى التراجيدية، لانه كان راجع البلد في يوم، عشان خطوبته على بنت عمه، وركب قطر الصعيد اللي اتحرق ده، وملقوش جثته في أول يومين، فأهلوا كانوا بياخدوا العزا، وفجأة لقوه داخل عليهم. طلع إنه فعلا ركب القطر، واصحابه وناس تانية شافوه فيه، وبعدين لقاه زحمة قوي فنزل منه، المهم اهله صمموا انه يتجوز بعد اسبوعين، ولا حاجة، فنزل الشغل تاني وقعد معانا، اسبوع، وفي آخر يوم ليه في الشغل، قبل ما يروح عشان فرحه، اطوح من على السقالة، ووقع من رابع دور، أنا كنت لسه واصل الشغل، ولقيت الناس ملمومة حواليه، ولما سألت العمال التانيين قالوا لي أنه لسه عايش، ووقفوا تاكسي واخدوه على المستشفى. فهمت بعديها بدقيقتين، أنه نزل على دماغه وماكنش فيه الروح، وانه الكل كان عارف أنه ميت بس قالوا أنه عايش عشان ما يحصلش شوشرة، ويحموا اصاحب المال يعني، واتضج لي انه الناس اللي شغالة في المعمار متعودة على الحوادث من النوع ده، وانهم مدربين على التعامل مع الموقف، وبالفعل الراجل صاحب الشركة دفع لاهل الواد بتاع خمس بواكي حق الدفنه واتقفل الموضوع على كده. قبل الشغلانة دي كنت لسه راجع من السعودية، وفي طريق العودة كنت راجع بري، وبعديها ركبنا العبارة، واحدة من سلسلة السلام اللي غرقت دي، وكنت مستغرب انهم حتى ماغيروش الاسم عشان الناس ما تتشائمش، المهم كنا كلنا راكبين وعادي حاطين في دماغنا اننا ممكن نغرق ونموت، وبالفعل العبارة كده في نصف السكة ابتدت تلف حوالين نفسها والنور قطع والمحركات وقفت وسرينة الانذار اشتغلت وطقم الملاحة ابتدى يجري شمال ويمين، المدهش إن معظمنا كان واقف وبيضحك وبنكت على موضوع اننا هنموت برضة في عبارة السلام، المهم يعني بعتوا مركبين سحبونا في الآخر. في أكبر مشروع اشتغلت فيه، اللي هو سيتي استارز دلوقتي، كان فيه قتيل كل شهر، وفي سنة الادارة بتاعت الشركة المنفذة، اللي هي اوراسكوم، عملت اجتماع واعلنت عن تحسن اجراءات الأمن والسلامة، لانه فيه عشرة بس ماتوا في السنة دي بدل ال 12 وال14 اللي كانوا بيموتوا كل سنة، كان في معظم الاحيان الجثث بتتاخد وتترمي في الشارع بعيد عن الموقع، والشرطة تقبض عشان تعمل محضر إنه حادثة عربية، ويتقفل الموضوع على كده، في حادثة واحدة العمال اتجمهورا ورفضوا الجثة تتنقل من غير ما النيابة تيجي تعاين، عشان يضمنوا حق القتيل، واوراسكوم رفضت والشرطة رفضت ، والموضوع تحول لشغب عنيف وواسع، وجابوا الامن المركزي، ولاننا كنا قريبين من مواقع عسكرية، الجيش نزل، ودي كانت أول مرة اشوف عربية جيش محروقة. المهم يعني، المصريين رخاص، وهما عارفين انهم رخاص، وبيموتوا كتير، لانهم فايض عن الحاجة، وبسهولة يتم احلالهم، ودي جزء من جاذبية البيزنس في مصر، أن الايد العاملة ما تكلفش حاجة، سواء في التشغيل أو في ارواحهم بشكل مباشر وعلى سبيل المقايضة، اجراءات الصحة والسلامة مكلفة، وبتخلى الشغل بطيء، والانتاجية أقل،وبالورقة القلم، الاسهل يبقى فيه هامش هالك "بشري" أوسع بدل الخسارة المادية، وده طبعا ما يحصلش غير بمنظومة متكاملة الناس عارفة فيها انها رخيصة وقابلة بكده وفيها أوراسكوام مثلا بتعمل فائض بيتدور في جوايز ادبية ومهرجانات سيما، تمنها دم، دم ناس حقيقيين يعني، وفيها أمن مركزي وشرطة وجيش متواطيء، ومشارك في ده، وطبقة وسطى أما بتتفرج بعيد بآسى أو في انتظار أنها تتقتل على سبيل الخطأ برضوا. فمفيش جديد، لغاية ما المنظومة دي تتفور كلها من أولها لاخرها

 حسن البنا مبارك يكتب من محبسه: فيما كل هذا الألم؟ تامر أبو عرب (١)
لماذا يساء إلينا دائماً؟
‎لماذا نحن متهمون من حيث المبدأ؟
‎إلى من يمكنني أن أتحدث؟ وأن أخبره بأنني لست عدو لك، وأنك تخطيىء حين تراني بعين العدو، وتستبيحني كما يستباح العدو .. أنت ضابط الأمن في بلادي، وأنا مواطنك، أنت القاضي في بلادي، وأنا مواطنك .. لم يكن الأمن إن لم يكن لي؟ لمن ينحز القضاء إن لم ينحز لي؟
‎لي رواية واحدة – قصيرة جداً – مللت من تكرارها، لكني لا أملك غيرها لأحكيه ..
‎كنت في طريقي إلى العمل حين استوقفت قوة من الشرطة سيارة الأجرة التي أنا بها، في مشهد معتاد، لا يستدعي التفكير في كونه أكتر من إجراء أمني روتيني سينتهي بمجرد الكشف عن بطاقات الهوية الخاصة براكبي السيارة .. طلبت القوة من صديقي النزول، ثم سألوني:
‎هل أنتما معاً؟
‎أجبت: نعم.
‎ماذا تعمل؟
‎صحفي.
‎هل معك كارنيهاً لنقابة الصحفيين؟
‎لا
:
‎حسناً فلتنزل مع صديقك!
(2)
‎كان ذلك أسود يوم طلعت علي فيه الشمس، ولا زالت هذه الشمس لم تغرب عني.
‎من يومها وأنا مع صديقي، في الأمن الوطني معه، في نيابة أمن الدولة معه، أمام دوائر محكمة الجنايات معه .. وفي كل تلك العوالم رددنا سوياً في كل مرة سمح لنا بالكلام الرواية ذاتها، على مسامع كل من وقفنا أمامه, ضابط التحقيق, وكلاء النيابة, السادة القضاة .. يقول مصطفى: لم يكن حسن على علم بمشروع الفيلم الوثائقي (موضوع القضية) ولا ذنب له إلا تصادف وجودنا سوياً ساعة إلقاء القبض علي، وأقول أنا: هل في مصاحبة الصديق لصديقه ذنب؟
‎سنة كاملة مرت، وهاهي الأخرى قد بدأت في النزيف، مئات الأيام مابين خوف وألم، ولا أحد يعبأ بك، عمرك الذي يستنزف، وظيفتك التي فقدت، المصاريف التي تهدر، حبيبتك التي تنتظرك، عائلتك التي تتألم لغيبتك، وأصدقاؤك الذين يرعبهم أن يتصوروا أنفسهم في مكانك.
‎ولا أحد لتسأله؛ لماذا كل هذا؟
‎فيما كل هذا الألم؟
‎هل يحتاج الأمر فعلاً لأكثر من عام حتى يتسنى للتحقيقات أن تتوصل إلى حقيقة كونك سجين خطأ؟ سجين صدفة؟ إلى هذا الحد شاق هو الأمر؟
‎ألست مواطناً في هذا البلد؟
‎ألا يعد تدمير مستقبلي وتخريب نفسيتي خسارة مباشرة للبلد الذي أنتمي إليه؟ لماذا كلما تحدثت إلى أحد هنا نظر إلي نظرة اتهام واستخاف؟ لماذا لا يستوعبون أننا مواطنون مثلهم تماماً، مصريون مثلهم تماماً، لنا حقوق مثلهم تماماً؟ لماذا أصلاً تثير فيهم الكلمات: مواطن، حقوق، قانون حس السخرية والدعابة؟
‎لماذا لا يعبأ أحد بشعورنا الوطني والضرر الذي قد يصيبه حين يتم اختطافك وترويعك واتهامك في إنتمائك الوطني على أيدي سلطات بلادك، بلا مبرر إلا أنك وقعت في طريقهم بالصدفة، ألا يلحظون أن ذلك يخالف رسالة وظيفتهم ومعنى الوطنية التي يتهموننا فيها؟ لماذا الأمر سهل عليهم هذه السهولة بينما هو يدمينا؟
‎حين تكون سجين صدفة لم تكسر حتى إشارة مرور، سيصعب عليك السجن للحد الذي يمنعك حتى من أن تستطيع معه إضفاء معنى على محبسك يعزيك، فلا أنت مقتنع أنك تدفع ضريبة على قضية ما، ولا أنت مدفوع بشعور بإستحقاق العقاب والندم من جراء إثم أو ذنب اقترفته يحملك على تقبل ما أنت فيه.
(3)
‎لذا تظل في سؤال دائم ودهشة دائمة، ألا يكفي من عمرك سنة كاملة لتصحيح سوء التفاهم إن كان الأمر كذلك؟ لتصويب مسار الصدفة، للتأديب إن كان يلزم تأديبك؟ للعقوبة إن كان يلزم عقابك؟ إن سنة كاملة فعالة على كل وجه، كافية لأي غرض!!
‎لماذا إذن كل هذا الإستقواء علينا؟ ألم يكن يكفي مجرد لفت النظر لأن مرافقة صديقك أثناء الذهاب للعمل أمر بهذه الخطورة؟ وإن لم يكن لفت النظر كافياً، فماذا عن الأحد عشر يوماً التي قضيتهما معصوب العينين، مقيد اليدين، ملقى على الأرض؟ ماذا عن خمسة عشر يوماً إضافياً في السجن؟ شهر؟ عدة أشهر؟ عام كامل؟!
‎لقد كنت أنتظر من أمن بلادي ألا يفترض في العداء مسبقاً، ومن نيابة دولتي ألا ترحب بتوجيه الإتهام إلي قبل ثبوت الدليل، ومن القضاء أن ينصفني ويرد لي الإعتبار إن تجاوز أي منهم في حقي، ولم أزل أنتظر .. ليس لأنني لا أملك شيء سوى الانتظار (رغم أنني بالفعل كذلك) ولكن لأنه يشق علي أن أستوعب ألا يجد المرؤ من ينصفه من بين كل هؤلاء؟
‎أكتب إليكم لا أعرف لمن، وأنشر لأنني لا أعرف طريقة أخرى للتواصل، إذ لمن نحتكم إن لم نحتكم إليكم؟ من ينصفنا إذا خذلتمونا؟ ثمة خطأ ما، لا أعرف ما هو تحديداً، ولا أعرف كيف يمكن تصويبه، لكنه قطعاً يوجد.
‎كل شيء هنا يدعو للكآبه .. للتطرف .. للموت، فإلى متى قد نصمد في مواجهة تلك الشرور مجردين من أي أمل؟ عزلاً من أي رجاء؟
‎إننا بعد كل هذا الألم واستسهال الاتهام في انتماءنا ووطنيتنا ومساوتنا بالمتطرفين والمجرمين، وتجريدنا من أبسط حقوقنا، وإهانتنا والتحقير من شأننا على مدار اليوم والليلة، لم ندخر لهذا الوطن حقداً، ولم نربي له في نفوسنا إلا كل أمنية طيبة، ولم ينتقص كل هذا الظلم من حقيقة انتماءنا له، وأننا لا نبغي شيئاً – أي شيء على الإطلاق – إلا حريتنا والعودة إلا بلادنا التي هي خارج هذا السجن.
‎إن أعمارنا التي تستنزف هنا هي عمر هذا الوطن وحياته، وإلا فمن يحتد للبلاد يوم مصابها إن لم نحتد لها نحن، ومن يرفع علمها يوم فرحها إن لم نرفعه نحن؟.
(4)
‎من ينتبه لأن الكأس قد فاض عن آخره، ومن يدفع من أجل كل هذا، من يطيب كل هذه الجراح، من يجبر كل هذه الكسور؟ نحن معنى هذا البلد؛ أمله وطاقته، سواؤنا النفسي ضمان لسلامته وعافيته، فلا تدفعونا للكفر به، لا تحرضونا على قتل أنفسنا، لا تضغطوا وطنيتنا أكثر من ذلك، لا تزيدوا من اتساع الفجوة بيننا وبينكم، لا تقطعوا رجاءنا بكم، لا تغلقوا في وجوهنا الأبواب، خففوا علينا، ترفقوا بنا، تأولوا لنا عدد والنا الأعذار!
‎فكم موجع أن تبصر الوطن في مقتبل شبابك فلا تبصر منه إلا السجن
‎”ياعزيز عيني وأنا نفسي أروح بلدي”
‎حسن البنا مبارك
‎السبت 23 فبراير/ شباط 2019 سجن القاهرة للمحبوسين احتياطيا