Monday, June 4, 2018

السنهوري ودستور الامارات



صناعة دستور دولة الامارات العربية المتحدة نموذج فريد من نوعة من المهم دراسته. تذكرت ذلك وأنا أقرأ عبارة وردت في سناء البيسي في الاهرام في مقال بعنوان (رجال القضاء لا يملكون رد القضاء) قالت فيه
أبوالدساتير عبد الرزاق السنهوري الذي وضع لكل من سوريا وليبيا والسودان والعراق والكويت دساتيرها رافضا أي مقابل مادي علي جهده الشخصي في وضعها, وعندما طلب منه الشيخ زايد في عام 68 أن يضع الدستور الجديد لأول دولة تقوم في الخليج العربي اتحاد دولة الإمارات العربية واضعا تحت تصرفه جميع الإمكانات لتسهيل مهمته في أقرب وقت أوفد السنهوري ممثلين من أساتذة القانون لزيارة مختلف الإمارات للاطلاع علي ظروف القبائل والبدو لأخذ آرائهم ووجهات نظرهم وما يعني الشيوخ والشباب فيهم، وذلك ليجئ الدستور محققا أحلام الناس في كل أرجاء الدولة

أهمية بناء التوافق عند صناعة الدساتير مسألة لا خلاف حولها. هل تحقق ذلك في الدساتير المصرية مسألة بحاجة لبحث، وهل يتطور الامر تدريجياً بمرور الزمن؟ وهل يفيد ذلك في تحقيق التنمية السياسية والاجتماعية وبالتالي الاقتصادية؟ وهل هذا هو ما ادركه السنهوري حينها؟


 رجال القضاء لا يملكون لأنفسهم رد القضاء عبدالرزاق السنهوري بقلم: سناء البيسى  
الاهرام-

إذا ما كانت لا كفاءة لعالم إلا بالبحث‏,‏ ولا كفاءة لمقاتل إلا بالشجاعة‏,‏ ولا كفاءة لرائد فضاء إلا بروح المغامرة‏,‏ ولا كفاءة لتاجر إلا بالأمانة‏,‏ ولا كفاءة لراع إلا بإسعاد رعيته‏.

فإنه لا استقلال لقاض ولا حياد لقضائه إلا بروح الاستغناء التي يطالبه فيها كل من الدولة والقانون والعرف أن يعيش داخل صوبه نزاهة لا تلوثها أدران الأهواء.. أن يتحرك في غرفة عناية مركزة يصطحب معه جدرانها النقية أينما توجه درءا للشبهات.. مطلوب منه أن يكبل الطموحات ويحجم المغريات ويسد باب الاستثناءات ويرفض المجاملات التي قد تفتح عليه الثغرات.. مطلوب منه أن يكون قاطعا كالسيف, جسورا كالليث, يقظا كالصقر, منضبطا كالساعة, مهابا كقمة جبل, ناصعا كانبلاج الفجر, حادا فوق منصته كإقامة الصلاة, خاشعا في قراره كمن يتلو الآيات البينات, عادلا في حكمه فحكمة قضائه العدل.. ألا يطرق باب حاكم بل يذهب الحاكم إليه.. وأن يكون مصنوعا من الفولاذ لا تثنيه نار ولا يغير من معدنه جبار.. مطلوب منه ألا يهاب سلطة طاغية ولا يخاف إلا الله, وألا يخشي في الحق لومة لائم, وأن يقضي بميزان العدل هدف الرسالات السماوية كلها امتثالا لقوله تعالي: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط, والقاضي ضمير المجتمع, وحكم القضاء عنوان الحقيقة, وقاض في الجنة وقاضيان في النار... وسيرة الفقيه الدستوري المستغني الدكتور إبراهيم درويش أكبر قامة دستورية في مصر والوطن العربي ــــ صانع دستور56 و58 و64 ومقرر دستور71 والأب المنشئ للمحكمة الدستورية الذي قام بكتابة نصوصها بحيث تصدر أحكامها بأثر رجعي وليس من تاريخ الحكم, الذي استعانت به أمريكا لوضع حد للخلاف القائم حول صلاحيات البيت الأبيض والكونجرس الأمريكي لتمنحه الولايات المتحدة الجنسية الشرفية التي لم يحصل عليها من قبل سوي ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا ــــ تؤهله لدخول الجنة لكنها لسوء التقدير لم تؤهله لعضوية اللجنة التأسيسية لوضع الدستور الذي يصفه الفقيه درويش بأنه أبوالقوانين وأن القانون الدستوري شيء وكتابته شيء آخر مستشهدا في ذلك بـأبوالدساتير عبدالرزاق السنهوري الذي وضع لكل من سوريا وليبيا والسودان والعراق والكويت دساتيرها رافضا أي مقابل مادي علي جهده الشخصي في وضعها, وعندما طلب منه الشيخ زايد في عام68 أن يضع الدستور الجديد لأول دولة تقوم في الخليج العربي اتحاد دولة الإمارات العربية واضعا تحت تصرفه جميع الإمكانات لتسهيل مهمته في أقرب وقت أوفد السنهوري ممثلين من أساتذة القانون لزيارة مختلف الإمارات للاطلاع علي ظروف القبائل والبدو لأخذ آرائهم ووجهات نظرهم وما يعني الشيوخ والشباب فيهم, وذلك ليجئ الدستور محققا أحلام الناس في كل أرجاء الدولة.. ذلك هو الدكتور عبدالرزاق السنهوري أفقه علماء الفقه في تاريخ مصر الحديث, الذي بدأ حياته موظفا صغيرا عام1912 في جمرك اسكندرية ليحصل علي6 شهادات دكتوراه من فرنسا.. أبو القوانين الوضعية الذي وضع القانون المدني المصري في مؤلف من عشرة أجزاء استغرق في تأليفها عشرين سنة, كل جزء منها من ألف صفحة لتغدو الصفحات15 ألف صفحة, وقد أتم الجزء الأخير في مرضه الأخير ليقول عنه أساتذة القانون إنها تذكرنا بمجلدات فقهاء الإسلام في العصور الأولي التي يفرغون لها العمر كله.. أول من أدب القانون وقنن الأدب في مصر والعالم العربي, الذي أطلق عليه أساتذة الشريعة الإسلامية لقب الإمام الخامس بعد الأئمة الأربعة, وفي العراق لقبه تلامذته بالأستاذ الإمام.. رب البيت الذي قالت عنه زوجته: قضيت44 عاما مع رجل يعمل في مكتبه حتي الرابعة صباحا يوميا بلا انقطاع, وكان غارقا في التأليف ليستنشق الأوراق مثلما يستنشق النسيم, وقد اعتبرها فرحة غامرة تركه للوزارة لأنه سيعود مرة أخري للتأليف.
رياح التأسيسية والدستور وأبوالدستور وغضبة درويش الدستورية النارية أخذتني كلها إلي السنهوري وابنته نادية التي التقيتها في عام87 عند عودتها تحمل الدكتوراه من جامعة بافلوا الأمريكية في الأدب الإنجليزي لتعمل أستاذة له بكلية البنات جامعة عين شمس.. الابنة التي اختارت لها طريقا يقصيها عن مسيرة قوانين والدها التي جعلتها مربوطة علي الدرجة الثانية في قلبه رغم كتابته الشعر في حبهما معا الابنة والقانون:
خلفت بنتا في حياتي..ثم خلفـــت الولد
فالبنت نادية أتتني..من بعد يأس وكد
وإذا سألت عن الوليد..أباه لم يعـــزك رد
ولدي هو القانون لم..أرزقه إلا بعد جهد
يومها قالت لي نادية: في بيتنا الواسع بالجيزة الذي يسوده هدوء تلزمنا به الوالدة كي لا نخدش أجواء الإلهام الهابط علي الأب الغارق في التأليف, كثيرا ما حاولت أن استرعي انتباهه ليحادثني أو يداعبني, لكنها كانت محاولات جميعها تبوء بالفشل, فأبي لم يكن معنا, أو بالصحيح لم أكن معه, ولأنه لم يكن لي أخوة وأخوات أنافسهم علي حبه أو أتفوق عليهم في أي ميدان لأغدو الأثيرة عنده, فقد انصب غضبي علي أوراقه التي سرقته مني, ومن هنا لم أشاركه حرصه في أن أنحو منهجه في دراسة الحقوق ليراني امتدادا لحياته ووارثة لاهتمامه, بل اتخذت سكة بعيدة تماما لمستقبلي بدراسة الأدب الإنجليزي, وانبري هو ليؤكد لي أنني بهذا الاختيار سرت علي دربه فقد سبقني هو بالحصول علي أول دكتوراه له في القضاء الإنجليزي بالذات من جامعة ليون الفرنسية.. الدرجة التي خولت له ــ بمجرد إجازتها ــ الصعود لسلم الأستاذية في الجامعات الفرنسية عامة لاختيارها كأفضل رسالة جامعية علي الإطلاق, لكنه لم يكن هدفا ولا مقصدا لمستقبله الذي خططه للحصول علي دكتوراه جديدة من السوربون الفرنسية عنوانها نظام الخلافة في الفقه الإسلامي.. وواصلت دراستي وأوراق والدي بمثابة عالمه المغلق الذي تسكنه قوة طاردة فقد أخذت أبي مني حتي رحيله لتبقي نائية عني بعد أن أدرت لها ظهري.. لكن الحنين إلي أبي الذي أعيش في كنف تاريخه وجبال من ثناء تلامذته وفصاحة عباراته التي جعلته أحد علماء المجمع اللغوي ليرجوه طه حسين العدول عن استقالته منه للتفرغ لعمله, وأعطاه وهو في الواحدة والسبعين إجازة لمدة عام فقط يعود بعدها للمجمع ليكمل مسيرة إثرائه بكنوز معارفه جعلني مدفوعة لأحقق أمنيته الكبري وهي ترجمة رسالته عن الخلافة من الفرنسية للعربية, ووجدتني أتجول في مكتبته لتتفتح مسام عقلي وشرايين قلبي علي كنوزه التي خاصمتها طويلا لأقدم لها وله بالغ اعتذاري وأسفي علي سنين بددتها لم أنطو فيها تحت لواء قانونه العام ظنا بأن جنوحي سيأتيني به تحت مظلة قانوني الخاص.. وأهدتني روح أبي العظيمة المتسامحة من بين رفوف النصوص المكدسة وردة في يدي.. كراسة بالخط الرقعة الصغير الحميم الذي لا يغفل التواريخ, ويعتني بعلامات التعجب, ويضع خطوطا تحت كلمات تضرب في الأعماق, مثلما وضع خطين تحت جملته فقد نشأت يتيما.. كراسة علمت منها ما خفي من أمر جدي لأبي الذي بدد ماله وانتهي به المطاف إلي موظف صغير بمجلس بلدية الإسكندرية, وأن جدتي ترملت صغيرة بعد أن أنجبت من الأعمام ستة وعمتي فتحية التي ماتت طفلة, وكانت جدتي سريعة الاندفاع بقلب طيب أورثت طباعها لوالدي.. كراسة عنوانها حديث مع النفس..
السنهوري صديق توفيق الحكيم وجاره في الجيزة منذ عام1935 عندما كانا يسيران الهويني علي أقدامهما ساعة العصاري علي كوبري عباس يتبادلان الحديث الشجي وفي يد كل منهما قرطاس ترمس, ويتذكر الحكيم في كتابه عودة الوعي عندما همس له السنهوري عن مشروعه الوطني لغرس روح البطولة في نفوس الشباب, وأخذا يستعرضان معا أبطال التاريخ أصحاب المبادئ العظيمة أمثال عمر بن الخطاب وطارق بن زياد ورمسيس الثاني.. السنهوري صاحب الوسيط والوجيز, والخلافة ومئات الأبحاث والمؤلفات العربية والفرنسية في القانون والشريعة والفقه التي يحق لأي عالم ومفكر أن يفخر طوال حياته بأنه قام بتأليف واحد منها فقط.. السنهوري الواقف بالمرصاد ضد تكميم حرية الصحافة أو تعطيلها كسياج واق من عبث الحاكمين وطغيانهم.. عندما استعانت ثورة يوليو بفقه السنهوري كان لها مكسبا ومغنما, وعندما تم الاعتداء عليه كانت سقطة كبري لها, فهو من قبلها وبعدها أكبر عقل قانوني أنتجه العالم العربي, وكتاباته القانونية أرقي الكتابات الأدبية محليا وعالميا, ومن قبل23 يوليو كان قد أنشأ مجلس الدولة وأصبح رئيسا له ليغدو بمثابة البطل القومي لدي كل فئات الشعب المصري عندما كانت المعركة السياسية علي أشدها قبل الثورة, وكانت معظم المواجهات السياسية تنتهي إلي مجلس الدولة, وكان يصدر أحكاما قضائية بلغت القمة في شجاعتها ونزاهتها ودقتها في مراعاة القانون, وعمقها في تطبيق روح القانون وهو الأصعب والأهم, فكانت رئاسة مجلس الدولة أحد التحولات الكبري في حياة مصر, ومن بعد الثورة اقترب منه منصب أول رئيس لجمهورية مصر اقترابا شديدا, بل لقد رفض منصب رئيس وزراء مصر الذي أراده له محمد نجيب حيث كانت بينهما علاقة وطيدة, فالسنهوري كان أستاذه بكلية الحقوق, وكثيرا ما أشاد نجيب بتلك العلاقة, وليس من قبيل المصادفة أن يتم الاعتداء علي السنهوري بمجلس الدولة في29 مارس, وهو اليوم الذي جرت فيه محاولة الاعتداء المماثل علي محمد نجيب.. لقد عصفت تقلبات الثورة في أيامها بالسنهوري إلي حد التهجم الوحشي وانتهي الوضع به معزولا معتزلا غير مسموح حتي بذكر اسمه جمع أو في صحيفة.... السنهوري القانوني الذي كانت بلاغته القانونية تري أنه ليست كل ورقة تحمل ختم سلطة تشريعية أو تنفيذية قانونا, فالقوانين أحيانا تهطل كالمطر لكن سرعان ما تجففها الشمس وتمسحها الرياح, فقناعات الناس في تصرفاتهم تسير في مسالك أخري تماما, وهناك قوانين تنقل من الكتب أو تؤخذ من بلاد شتي متنافرة كمن ينتقي خلطة من عند العطار لكنها تبقي قوانين غريبة, فمن المستحيل أن تزرع شجرة بلاستيك لتثمر في أي مكان, فكل نبتة لها بيئة وطقس يحكم عليها بالعقم أو بالإثمار.. كذلك القانون.. السنهوري الأستاذ الذي أعطي لطلبته درسا بأن القانون ليس مجرد نصوص, أو أن الدنيا تتغير بتغير تلك النصوص, كأن يسن العدل بقانون والظلم يزول بقانون والخطأ يحدد بقانون والصواب يفعل بقانون.. لا.. لقد كان علم السنهوري هو المعبر عن روح المجتمع الصاعد من أعماقه كالتعبير الفني.
كراسة حديث مع النفس التي جمعت ذكريات السنهوري بدأها في11 أغسطس1921 من فوق باخرة رحلته إلي فرنسا بعد حصوله علي الليسانس من قسم الانتساب بمدرسة الحقوق عام1917, قبل أن تنشأ الجامعة المصرية, ولما كان ترتيبه الأول عين وكيلا للنيابة ثم مدرسا بمدرسة القضاء الشرعي ليوفد في بعثة إلي فرنسا يعود بعدها أستاذا وعميدا للحقوق ووزيرا للمعارف ثم رئيسا لمجلس الدولة الذي أرسي قواعده إلي جانب تأسيسه لجامعة الإسكندرية واضعا مشروع قانونها عام1942 وجامعة محمد علي التي قرر إنشاءها وهو وزير للمعارف عام1948, والمعروف أنه تولي وزارة المعارف أربع مرات ليخرج منها عام49 معترفا: لقد خدمت التعليم بكل جهدي وحاولت تخطي جميع الصعاب لكني فشلت في شيء واحد هو القضاء علي الدروس الخصوصية.. مع أيامه التي توقفت في11 أغسطس1969 بعدما ارتعشت اليد التي أصابها الوهن فوضعت القلم ولزمت المرض وكتبت بالدمع علي صفحة العين رؤوس مشروعات وكتبا وأبحاثا ظل العقل ممتلئا بمدادها, لكنه الأجل الذي يقطع علي اليد والعقل والقلم الطريق عندما يأتي قراره العلوي في21 يوليو.....1971 بين ذكرياته أقلب الأوراق فتختلط الأيام ليتسيد يوم شعاره الفن يجاوره يوم مغموس بهم يطاوله يوم تسوده روحانية يعقبه يوم كلماته الشعر يسبقه يوم يرسو به الفكر.. وهذه بعض سباحات أيامه: ركبت البحر لا أعلم ما يخبئه الغيب لي, ولم يبك من أهلي إلا اثنان, وآخران لم يبكيا, لأحدهما عندي منزلة خاصة وللآخر منزلة هو عالم بها, وحياة العواطف كلها أشواك.... شهدت للمرة الأولي الممثلة سارة برنار التي تبلغ السبعين تمثل دورا يتلاءم معها, وسمعتها تتكلم فألفيت صوتها طبيعيا عذبا ليس فيه شيء من التكلف الذي ينهجه الممثلون, إلا أنها لا تدهش السامعين في أول أمرها لكنها تتدرج بهم حتي يمتزجوا في نفسها فلا يشعرون إلا بشعورها ولا يرون إلا بعينها دون تكلف, ولم تنته الرواية إلا وقمت معجبا بها كل الإعجاب مصفقا لها حتي كادت يداي تدميان آسفا علي ما فاتني منها في جميع مراحل عمرها علي خشبة المسرح..... أري الصنعة لها دخل كبير في أخلاق الفرنسيين, فالحديث عندهم فن, والتحية فن, حتي الجمال الذي تهبه الطبيعة الفن فيه له المجال الأكبر, ولا أقصد بهذا أدوات التزويق والدهان فحسب بل أيضا فن الملاطفة والبشاشة والمجاملة والذوق, وأقول: إن البشاشة عندهم لها فنها كأن يصفون شخصا ليس عليه مسحة من جمال بأنه لطيفGentil وخلابCharmant وجذابSympatique, ومن هنا يغدو الجميع سعداء.... أشعر ودائي أني أشعر وهذا هو موضع الضعف عندي.... لا أحسب أن أحدا قد نفذ إلي دقائق الحياة من بعد الأنبياء أكثر من رجلين: المتنبي وشكسبير... حتي تكون قويا ليس أمامك سوي أن تريد... رأيت فيما يري النائم أن الغرب تشرق عليه شمس ساطعة حدقت فيها طويلا ثم أدرت وجهي تجاه الشرق فرأيت شمسا أوسع مدي وأسطع نورا وحسبت أني أنا الذي أنقل هذه الشمس بيدي, شمس الشرق للغرب, وكأني وقتها سمعت لفظ العلم يهمس, ثم أفقت من نومي.... تتوالي من مصر أخبار مكدرة باعتقال سعد ونفر من حوله, وقامت المظاهرات بمقاطعة التجارة الإنجليزية, إن مصر في مرورها التاريخي تمر علي وقت عصيب يصلب فيه عودها, ولأن الحياة قد دبت فيها فلن تموت.... لي صديق لا أختلف معه: إن شد أرخيت, وإذا أرخي لم أشد.... ما أنا يا الله إذا لم أومن بك..... حدثت نفسي لو شغلت منصبا قضائيا في مصر بعد عودتي وعرض علي أن أحكم في مسألتين لحكمت فيهما لصالح المرأة, رجل طلق امرأة بغير حق أحكم للمرأة بتعويض لأن الرجل أساء استعمال حقه في الطلاق, ورجل تزوج امرأة ثانية علي امرأته الأولي, أحكم لهذه بتعويض لأن الرجل أساء استعمال حقه في الزواج.... لا أحسب المرأة تدخل في عمل إلا وتلونه بلونها الخاص المزيج من رقة في ضعف في تقلب!..
وأقلب أوراق السنهوري الحميمة وأجده القائل: طربت لصوت الشيخ سيد درويش النابغة في أدواره التي أصبحت أدندن بها بين الحجرات وعلي ضفاف السين:( ياللي تحب الورد ليه من فوق شجرته تقطفه, والوردة إيه ذنبها لما تفارق غصنها من يوم ما ماتت أمها دبلت يا ناس مش تنصفوا, والأستيك فوق صدرك يضوي وفي قلبي متعلق ساعة).... وددت لو خدمت القضاء بأن أجعل السلطة القضائية مهيمنة علي السلطتين التشريعية والتنفيذية بعد وضع الضمانات الكافية للقضاء ونزاهته.... كلما تقدمت في السن رأيتني أحوج إلي الأخلاق مني إلي العلم والذكاء..... أحيانا تكون الغربة وطنا, وأحيانا يكون الوطن غربة....أصبحت لا آمن قلبي علي عاطفة إن طال عهده بها...... احذر ممن لا يري فيك إلا مرآة له..... في الأمم القوية يقدر العلماء..... الصراخ علي قدر الألم.... إنني في حاجة إلي من يشاطرني السرور أكثر ممن يشاطرني الحزن.... من كان جميع الناس أصدقاؤه فليس له أصدقاء.... الإسلام قد أتي لا ليبيح الرق ولا ليعدد الزوجات, ولكنه أتي ليقيد من الرق ومن تعدد الزوجات.... اللهم إني قد اجتهدت في قضائي هذا, فإن كنت مخطئا فاغفر لي, وإن كنت مصيبا فقد هديتني.... ما رأيت أنكي من أن يتصدي للدفاع عن الحق رجل قام علي الباطل..... مصر ليست في حاجة لكفيل.... الصيام عن الشريعة يودي بنا إلي فوضي منظمة, وكذلك الصوم عن التشريع..... القانون يعدل بيننا لكننا نظلمه... الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة.... لرجال الثورة: نحن في حاجة إلي إلهامكم وأنتم في حاجة إلي معرفتنا, ونحن في حاجة إلي حركتكم وأنتم في حاجة إلي ثباتنا, ونحن في حاجة إلي وثبتكم وأنتم في حاجة إلي تجربتنا..... هنيئا لحكومتنا المظفرة, إنها دائما علي حق, وهي دائما تكسب الرهان, فلا ينزل بأوامرها في حلبة السباق إلا حصان واحد, وهي تراهن علي هذا الحصان.... مصر قدرها أن تكون قائدة لا تابعة... هناك من التجار من يتعمد إحراق متجره حتي لا ينكشف إفلاسه, فهل تري هذا التاجر هو الذي علم رجال السياسة عندنا بعض أساليب العمل؟!..
ويكتب القانوني الذي ولد بالإسكندرية عام1895, وضرب بالقاهرة في29 مارس1954 يكتب في خواتيم مذكراته: رجال القضاء لا يملكون لأنفسهم رد القضاء.
- وفي مذبحة القضاء الأولي عام1954, اضطر بعض المستشارين الذين شهدوا أمام النيابة عما رأوه بأعينهم من الاعتداء الوحشي علي رئيسهم الدكتور السنهوري بمجلس الدولة ومحاولة قتله.. اضطروا تحت التهديد والإرهاب والتلميح بما لا تحمد عقباه أن يعدلوا عن شهادتهم أمام المحكمة العسكرية!
- وكيل النيابة المحقق تم وضع جميع تليفوناته تحت رقابة التصنت, وكان المخبرون يتتبعون خطواته أثناء فترة التحقيق ويبيتون أمام منزله ويتنكرون في ثياب عمال تليفونات للتأكد من سلامة أجهزة التوصيل الاستخباراتية.
- الشاهد الوحيد الذي تعرف علي من ضرب السنهوري عدل عن أقواله!
- الذين قدموا للمحاكمة حكم عليهم بالسجن سنة واحدة وخرجوا من السجن يوم الحكم فقد كان الحرص أن تكون جلسة المحاكمة بعد القبض عليهم بسنة!
- الصحافة أرغمت علي الصمت.. منعت الرقابة أن تنشر كلمة واحدة.. لا عن المحاكمة.. ولا عن الحكم!
- ثبت من التحقيق أن أحد المتظاهرين قد حمل قضيبا من الحديد وأراد أن يضرب به الدكتور السنهوري علي رأسه وتقدم المستشار محمد عبدالخبير وتلقي الضربة علي ذراعه وبذلك أنقذ السنهوري من الموت المحقق!
- شعر السنهوري بأن بعض المتظاهرين يجذبونه من الخلف وآخرين يدفعونه إلي الأمام إلي الحديقة وتوالي الاعتداء علي رأسي وكنت أدفعه بكلتا يداي ورأيت أحدهم ومعه حديدة طويلة يصوبها إلي عيني..
- أصيب السنهوري بكسر مضاعف في ذراعه وكدمات متعددة في جسمه, ولولا أن سكرتيره رمي بنفسه فوقه لقضي عليه في الحال!
- أكدت السيدة أمينة عثمان شاكر زوجة الدكتور عبدالرزاق السنهوري أنها أبلغت جمال عبدالناصر رفض السنهوري مقابلته!
- ظل السنهوري يردد في كراسة السنين قول النبي الكريم صلي الله عليه وسلم: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني علي الناس


http://www.ahram.org.eg/Archive/1099/2012/11/30/10/186007.aspx

No comments: