Saturday, June 2, 2018

مقال قديم: طارق البشري- المادة الثانية من الدستور

حول المادة الثانية من الدستور 

بقلم : المستشار‏:‏ طارق البشري

43913 -العدد 
   ‏السنة 131-    2007    فبراير    28    - ‏10 من صفر 1428 هـ    الأربعاء

هذا الحديث يتوجه في الأساس إلي المواطنين الذين تهمهم مسألة التحقق الأمثل للمساواة بين المواطنين في عيشهم المشترك‏.‏ وإن اختلفت أديانهم‏.‏ وهو ليس موجها في الأساس إلي من يتخذون موقف المعارضة الفكرية لدخول الشأن؟ الديني في شئون الحياة الدنيوية‏,‏ نظما ومعاملات‏.‏

في تصوري ان المادة‏2‏ من الدستور الحالي لازم بصيغتها الحاضرة لتحقق الاسناد الشرعي الاسلامي لمبدأ المساواة التامة بين المسلمين والمسيحيين من المواطنين في تولي الوظائف العامة والمشاركة الكاملة في ممارسة الولايات العامة وفي تولي المناصب ذات الشأن العام‏,‏ في قيادات الأعمال والقضاء والادارة وغير ذلك‏.‏

وتنص المادة‏2‏ من الدستور علي أن‏:‏ ـ الاسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية‏,‏ ومباديء الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع‏.‏

وهذا النص الوارد في صدر احكام الدستور‏,‏ يستفاد منه انه يشكل مرجعية اسلامية لكل المباديء الواردة بالدستور متعلقة بالمساواة وبحقوق المواطنين وغير ذلك‏.‏ وان مبدأ المواطنة يجد دعامته المستقاة من احكام الشرع الاسلامي بموجب المادة‏2‏ هذه‏.‏ وهو يستبعد اي زعم بان مبدأ المساواة بين المواطنين متعارض مع الشرع الاسلامي‏,‏ ولا انه مبدأ لا يمليه الا الفكر الوضعي المنفصل عن الدين‏.‏

ومن ثم يقيم بناء المواطنة بعيدا عن التوترات العقيدية‏.‏ ونحن نريد ان يتداخل بعضنا في بعض‏,‏ لا ان ينفصل بعضنا عن بعض‏,‏ ومما يهييء لهذا التداخل أن تتداخل المفاهيم الطيبة بعضها في بعض‏,‏ مثل الدين والمواطنة‏,‏ لا أن تتصارع ويقف بعضها دون بعض‏.‏

ومن جهة اخري‏,‏ فان فكرة المساواة بين المسلمين وغيرهم من اهل الكتاب في بلادنا‏,‏ كانت متحققة في غالب الفقه الاسلامي بالنسبة للحقوق الخاصة والفردية‏,‏ بموجب ان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم‏,‏ انما كانت تقوم المشكلة في الفقة الاسلامي فيا يتعلق بالولايات العامة‏,‏ اي الحق في تولي مناصب الدولة في الوظائف القيادية ذات القرار‏,‏ سواء في القضاء او الادارة او غيرهما وهذه ما كانت تحتاج الي اجتهاد فقهي يوطيء من اكنافها في اطار المواطنة وما انبعث في مجتمعاتنا الحديثة من تكوينات سياسية انشأتها حركات الاستقلال الوطني والمقاومة الوطنية التي تشارك فيها المسلمون والمسيحيون من أهالي بلادنا‏.‏ فحق للجميع ان يقيموا جماعاتهم السياسية طبقا لهذا المفهوم‏,‏ وان يجتهدوا في البحث عن امكانيات الفقه الاسلامي في هذا الشأن‏,‏ بما يقوم به مستقي من مرجعيته الشرعية ومطبقا علي الواقع المعيش‏.‏

ويقوم الاجتهاد الفقهي في هذا الشأن علي ان مناصب الولاية العامة التي كان الفقه الاسلامي التقليدي يشترط فيمن يتولاها ان يكون مسلما‏,‏ هذه المناصب لم تعد الوظائف التي تتولاها بيد اشخاص ولا افراد كما كان الشأن قديما‏,‏ انما صارت الي هيئات جماعية‏.‏ وذلك بفعل تطور اساليب الادارة وتقسيم العمل وتوزيعه وحلول القرارات الجماعية محل القرارات الفردية‏,‏ فمن يدير اي شأن لم يعد فردا ـ واحدا‏,‏ انما صار هيئة وادارات‏,‏ ومن يحكم في الدعوي ليس قاضيا فردا الا فيما قل شأنه ـ انما صار هيئة من ثلاثة قضاة أو خمسة مثلا‏,‏ ومن يصدر التشريع ليس فردا انما مجلس يتكون من مئات الأفراد يجتمعون ويصوتون‏,‏ ويؤخذ القرار بالأغلبية وينسب إلي الهيئة كلها لا لأشخاص من أيدوه‏..‏ وهكذا‏.‏ وصار الافراد الذين تتكون منهم أية هيئة من هذه الهيئات هم مجرد مشاركين في الرأي‏.‏ والمعروف أن الفقه التقليدي يقبل ان يكون غير المسلمين مشاركين في الرأي‏.‏ وقد صار الجميع كذلك مسلمين وغير مسلمين‏.‏

بهذا النظر تبقي مسألة واحدة من ناحية الفقه الاسلامي‏,‏ وهي هل يكون للهيئة دين كما ان للأفراد دينا‏.‏ وكيف يتأتي للهيئة ان تمارس دينها‏,‏ والحال ان الأفراد يمارسونه بذكر الشهادتين واقامة العبادات والانصياع لاوامر الدين ونواهيه‏.‏ وهنا نجد الابداع الفكري والفقهي الذي قام به الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي الأسبق للديار المصرية‏,‏ عندما اقترح علي لجنة اعداد الدستور المصري لسنة‏1923‏ بان ينص فيه علي ان دين الدولة هو الاسلام‏.‏ واقر بذلك معه أهل جيله كله من الفقهاء بان يكون للهيئة دين‏,‏ وان الدين ليس من خصائص الانسان فقط‏,‏ انما يمكن ان يكون للهيئات التي تنظم امور البشر وتدير شئونهم وتتكون منهم‏.‏

مادام ذلك كذلك‏,‏ فكيف يكون للهيئة دين‏,‏ وهي بوصفها المعنوي لا تصلي ولا تصوم‏...‏ الخ‏,‏ الجواب علي ذلك بان دين الهيئة هو مرجعيتها‏,‏ وهو الاصل المرجوع اليه فيما يصدر عنها من نشاط ومدي التزامها بهذا الاصل بحسبانه موردا لها‏.‏ ومادامت الهيئة مرجعيتها اسلامية فقد صارت الولاية بها اسلامية في الفقه الاسلامي‏,‏ وإن تشارك فيها مسلمون وغير مسلمين‏.‏

بهذه الطريقة تكون المادة‏2‏ من الدستور لازمة بنصها الحالي وبصيغتها هذه‏,‏ لكي يقوم السياق النظري من داخل الفقه الاسلامي بما يحقق المساواة بين المسلمين المسيحيين من المواطنين في المشاركة واتخاذ القرارات في شأن الولايات العامة‏.‏ ومادامت نصوص الدستور مع تأكيدها علي اسلاميةالدولة قد اكدت ايضا علي حقوق المساواة بين المواطنين جميعا‏,‏ فهي تكون اعتمدت من وجوه النظر المختلفة في الفقه الاسلامي‏,‏ تكون اعتمدت وجهة النظر المؤكد علي المساواة بين المواطنين‏,‏ مع الاقرار بانه نظر بسعه الفقه الاسلامي ولا يشوب دين الدولة ومصدريتها التشريعية‏.‏

وبذلك فإن المساس بنص المادة‏2‏ من الدستور هو مما يفقد هذا التسلسل المنطقي النظري معناه‏,‏ وسيضيق كثيرا من القدرة النظرة علي ان يستمد من داخل الفقه الاسلامي الاساس الداعم للمساواة والمشاركة بين المسلمين والمسيحيين في بلادنا‏.‏

*‏ لذلك ارجو من الحريصين علي تأكيد مبدأ المساواة ان ندعمه بكل الامكانات الفكرية‏,‏ وان نقيمه لدي المؤمنين بالاسلام علي اسس تصدر من مرجعيتهم‏.‏ وان المساواة تؤدي الي الاندماج‏,‏ اما من كان يقصد من تعديل هذه المادة اضعاف اسلامية الدولة‏,‏ فإن نص المادة الثانية المذكورة هو كاشف عن واقع استتباب الاسلام لدي المسلمين في مصر وليس منشئا له طبعا‏.‏ ولن يغير التعديل واقعا ولكن يثير حفيظة ويعمق جرحا ويقيم تناقضا علي المدي الطويل‏,‏ تناقضا ليس بين المسلمين والمسيحيين من المواطنين‏,‏ ولكنه تناقض بين مبدأ المرجعية الاسلامية ومبدأ اللادينية السياسية‏.‏

‏(2)‏ من أين ظهرت المادة‏2‏ من الدستور؟‏.‏ إن أصلها الدستوري يرد من المادة‏149‏ من دستور مصر في سنة‏1923‏ الذي استمر معمولا به حتي‏1953‏ وهي المادة الأولي من الباب السادس من الدستور وعنوانه أحكام عامة‏,‏ ونصت علي أن الاسلام دين الدولة‏,‏ واللغة العربية لغتها الرسمية‏.‏ وكانت شكلت لجنة وضع هذا الدستور في ابريل سنة‏1922‏ من ثلاثين عضوا عدا رئيسها حسين رشدي باشا رئيس الوزارة السابق ونائب رئيسها أحمد حشمت باشا وزير المعارف السابق‏,‏ وكان اعضاؤها الثلاثون من النخب السياسية العليا ذات الاتصال الوثيق بالحكم ورجاله‏,‏ وهم إما من رجال الساسة المتصلين بالملك وإما من رجال حزب الأحرار الدستوريين‏,‏ وهم جلهم من ذوي التعليم والثقافة غير التقليدية‏,‏ وليس فيهم من يمكن أن يكون ممثلا لما نسميه اليوم بالتيار السياسي الاسلامي‏,‏ وجلهم ذوو تعليم حديث ونزوع ثقافي آخذ من الفكر الوافد ومدارسه‏,‏ مثل علي ماهر وعبداللطيف المكباتي وعبدالحميد بدوي ومحمد علي علوبة وعبدالعزيز فهمي وإبراهيم الهلباوي‏,‏ وفيها من ذوي الثقافة والتعليم الديني الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي الأسبق‏,‏ والسيد عبدالحميد البكري شيخ الطرق ونقيب الاشراف والشيخ محمد خيرت راضي‏,‏ كما كان فيها من المسيحيين يوسف سابا باشا‏,‏ وقليني فهمي باشا‏,‏ والياس عوض بك‏,‏ وتوفيق دوس بك‏,‏ كما كان عضوا بها الأنبا يؤانس نائب البطريرك وقتها‏,‏ وهو من تولي البطريركية عقب وفاة الأنبا كيرلس الخامس في سنة‏1927‏ واستمر بطريركا بضع عشرة سنة حتي وفاته‏,‏ كما كان فيها يوسف أصلان قطاوي باشا من اليهود‏.‏

وتذكر مضابط أعمال اللجنة أن لجنة وضع المبادئ اقترح عليها الشيخ محمد نجيب في‏19‏ مايو سنة‏1922‏ ان ينص الدستور علي أن دين الدولة الرسمي الاسلام‏,‏ فطرح الرئيس حسين رشدي باشا الاقتراح للتصويت فتقرر بالاجماع قبوله‏..‏ ولما تلا النص في اللجنة العامة في‏14‏ أغسطس‏1922‏ قررت الهيئة الموافقة عليه بالاجماع وتلا نص المادة بجلسة‏3‏ اكتوبر‏1922‏ وافقت الهيئة عليها بالاجماع ومعني ذلك انه بمجرد اقتراح هذا النص ووفق عليه بالاجماع بغير تحفظ ولامناقشة‏,‏ وبغير أن يظهر أنه أثار حرجا أو قلقا أو عنتا‏,‏ وذلك في جو فكري يفوح في فكره عبير الليبرالية‏,‏ والاجماع يشمل هنا أعضاء اللجنة غير المسلمين وهم يبلغون نسبة تشارف‏20%‏ من العدد الكلي‏,‏ وأن من يطالع أعمال هذا الدستور إبان إعداده في داخل اللجنة أو في خارجها علي صفحات الصحف‏,‏ يعرف إلي أي مدي كفل لاعداده جو من حرية التعبير ومناقشة سلطات الملك والشعب والتمثيل النسبي لغير المسلمين وغير ذلك‏,‏ كفل له من ذلك مايكشف عن أن الرضاء الذي قوبل به نص دين الدولة كان يفيد القبول الأوسع والأشمل‏.‏

لقد كان الجميع علي وعي بأنهم بصدد وضع دستور يصوغ التوجه الأساسي للدولة الحديثة بمصر‏,‏ ويحدد المبادئ التي ترسم هويتها الحضارية‏,‏ لذلك انتهوا إلي أن دين الدولة الرسمي الاسلام ولغتها الرسمية اللغة العربية‏,‏ قولا واحدا لم يكن بحاجة إلي جدل‏,‏ وهو تقرير لأمر واقع‏.‏

والحاصل بعد ذلك‏,‏ ان هذاالحكم الدستوري ظل مرعيا ضمن التراث الدستوري الأصيل للدولة المصرية علي مدي القرن العشرين‏,‏ وكل دستور كامل صدر في مصر أورد هذا النص بهذا الحكم‏,‏ دستور‏1930(‏ استمر نحو خمس سنوات ثم عاد دستور‏1923)‏ ودستور‏1956‏ في عهد ثورة‏23‏ يوليو‏1952,‏ ودستور‏1964‏ ودستور‏1971.‏ ولم يشذ من ذلك الا دستور‏1958‏ في عهد وحدة مصر مع سوريا لأنه لم يكن دستورا مكتملا‏,‏ بدليل أن مجلسه النيابي كان بالتعيين من رئيس الجمهورية من بين أعضاء مجلس البرلمان المصري والسوري‏,‏ وقد زال بانفصال سوريا في‏1961.‏

وأن دلالة استمرار النص علي دين الدولة الرسمي الاسلام عبر الدساتير المختلفة‏,‏ دلالة جد مهمة‏,‏ لأن مقارنة هذه الدساتير بعضها ببعض‏,‏ تكشف عن أنه لم يكن ثمة نظام دائم لمصر علي هذا المدي‏,‏ فيما عدا الاقرار بعدد من المسلمات منها أن دين الدولة الرسمي الاسلام‏,‏ كانت هذه الدساتير تتراوح بين النظام الملكي والنظام الجمهوري‏,‏ وتتراوح بين الملكية المستبدة‏(1930)‏ والملكية البرلمانية‏(1923)‏ وتتراوح في النظام الجمهوري بين النظام الرئاسي والنظام القريب من البرلماني‏,‏ وتتراوح بين نظام الحزب الواحد ونظام تعدد الأحزاب‏,‏ وتتراوح بين النظام الاشتراكي القائم علي تقييد الملكية العامة وبين النظام الرأسمالي الذي يطلق حرية الملكية الخاصة‏,‏ وبين‏..‏ وبين الخ ولكن بقيت اللغة عربية والدين إسلاميا‏.‏ وهذا يكشف وجه الثبات لايوجده الدستور ولكنه لايملك إلا أن يعترف به‏,‏ ويكشف عن أنه نص حاكم لغيره وليس محكوما بغيره‏,‏ والمعني هنا يستفاد بالاستقراء العلمي للتجربة التاريخية للأمة ودولتها‏.‏

[‏الجزء الثاني من المقال ينشر غدا‏]‏


43914    ‏السنة 131-    2007    مارس    1 -   ‏11 من صفر 1428 هـ    الخميس


(3)‏ معني أن يكون دين الدولة الرسمي أن تكون مرجعيتها الفكرية اسلامية‏,‏ وأن تكون هذه المرجعية الاسلامية إنما تترجح من داخلها الآراء والاجتهادات لما أورده الدستور من مبادئ أخري تتعلق بالمساواة والحقوق والحريات‏,‏ وذلك كله في إطار ما تسعه المرجعية الشرعية وما تتقبله بأي من وجوه الاجتهاد الفقهي المعتبر مما يلائم أوضاع الزمان والمكان وتغير المصالح العامة للأمة‏.‏

ومعناه أيضا أن يكون النظام العام الذي تشير إليه القوانين مشمولا بهذه المبادئ والقيم وماتتوافق عليه الجماعة‏.‏ وسنلاحظ تاريخيا أن النص علي أن الاسلام هو الدين الرسمي للدولة‏,‏ إنما يتضمن إقرارا بأن تكون مبادئ الشريعة الاسلامية هي مصدر التشريع‏,‏ ومصدرية التشريع تعني مرجعيته وتشير إلي المورد الذي تستقي منها‏,‏ الأحكام‏,‏ لأن دين الهيئة إنما يعني مصدريتها‏,‏ وإلا كان النص لغوا‏.‏

والحاصل أنه لما وضع هذا النص في دستور‏1923,‏ لم يظهر سريعا هذا المعني المستفاد صراحة‏,‏ أو لم يظهر ظهورا كاملا‏,‏ لأن استقلال مصر الذي عبر عنه هذا الدستور كان استقلالا منقوصا‏,‏ استقلالا يصدعه الوجود العسكري البريطاني في مصر وجودا ينعكس في إرادة سياسية أجنبية استعمارية‏,‏ كما كان يصدعه وجود الامتيازات الأجنبية‏.‏ فلم تكن مصر مكتملة السيادة فيما تصدر من تشريعات لاتطبق علي الاجانب إلا بموافقة المحكمة المختلطة‏,‏ ولم تكن مكتملة السيادة القضائية لانحسار سلطة القضاء المصري الوطني عن الاجانب كلهم وعن كل المنازعات التي يكون الاجنبي طرفا فيها‏,‏ حتي لو كانت منازعات ضد المصريين او ضد حكومة مصر‏.‏

لذلك لم يمكن ان ينعكس حكم هذا النص علي الواقع التشريعي سريعا‏,‏ ولم يتحقق الاستقلال التشريعي لمصر الا بعد ابرام اتفاقية منترو في‏1937‏ التي انهت الامتيازات الاجنبية‏,‏ ولم تنته المحاكم المختلطة طبقا لهذه الاتفاقية وتسترد مصر سيادتها القضائية كاملة الا في‏1949.‏ ومع بدء الاستقلال التشريعي بدأت في مصر مرحلة اعداد مجموعات من التشريعات‏,‏ كان اشهرها طبعا القانون المدني‏,‏ الذي استغرق العمل فيه بضع عشرة سنة حتي صدر في‏1948‏ وبدأ تطبيقه مع الغاء المحاكم المختلطة في اكتوبر‏1949.‏ وكان نص مادته الاولي أنه عند غياب النصوص التشريعية يرجع القاضي الي العرف‏,‏ فإن لم يجد لجأ الي مباديء الشريعة الاسلامية‏,‏ فان لم يجد لجأ الي القانون الطبيعي وقواعد العدالة‏.‏ ويتعين الا نفهم خطأ من تقديم القانون المدني للعرف علي الشريعة الاسلامية انه تفضيل له عليها‏,‏ لان من يعرف مصر يعرف انه لا يقوم بها عرف معترف به من الناس ومعترف بالالتزام به بينهم‏,‏ لا يقوم عرف بها ويكون مخالفا لمباديء الشريعة الاسلامية‏.‏

ونحن نلحظ ان من اعاد الفاعلية للكثير من احكام الشريعة في الدراسات المقارنة ومن طالب بها هم مجموعات من الفقهاء المحدثين وعلماء القانون‏,‏ وعلي رأسهم الدكتور عبدالرزاق السنهوري‏,‏ ذلك لانه ليس اجدر من هؤلاء معرفة بعمق الفقه الاسلامي ومبادئه القانونية وقدرته بمناهجه التفسيرية علي التجدد‏.‏ وهؤلاء في غالبهم هم من خريجي كليات الحقوق التي لم تكن لها صلة عضوية بالأزهر الشريف ولم يكن بها من الازهريين الا الأعلام الذي يدرسون الفقه الاسلامي‏,‏ بحسبانه مادة واحدة في كل سنة‏,‏ والغالب من الاساتذة هم ممن درسوا الفقه الفرنسي بمصر وفرنسا‏.‏ فلم يكن من هؤلاء من يسمي الآن بالتيار الاسلامي او التيار السياسي الاسلامي‏.‏

وانا اذكر ان من هؤلاء الاساتذة الذين درسنا علي ايديهم‏,‏ الدكتور شفيق شحاته وهو فقيه قبطي مصري كانت دراساته غاية في العمق‏,‏ وكانت كتاباته في القانون المدني شديدة التأثر بالفقه الاسلامي وبعد سنوات عرفنا ان رسالته للدكتوراة كانت عن نظرية الالتزامات في القانون المدني علي المذهب الحنفي‏,‏ وكان الاستاذ المشرف عليه هو فضيلة الشيخ أحمد ابراهيم‏.‏

فالشريعة الاسلامية فيها جانب ديني عند المسلم‏,‏ وهي عند المسيحي فقه واحكام ووجهات نظر‏.‏ ومنذ الثلاثينات من القرن العشرين اعترفت المجامع الفقهية الدولية بها‏,‏ باعتبارها من المدارس في الفقه العالمي‏.‏

(4)‏ إن العرض السابق يظهر بجلاء ان المادة‏2‏ من دستور‏1971‏ لم يضعها الرئيس السادات من عنده ليكسب شعبية زائفة‏.‏ ولا كانت مجرد نص مصطنع ليدغدغ به عواطف الجهلة‏.‏ والنص موجود من‏1923‏ بإجماع واضعيه وباق ايضا باستقراء تاريخي كامل‏,‏ وهو أثبت من غيره اطلاقا‏.‏ وهو ليس نصا يقوم به حزب او جماعة سياسية من اجل الانتشار ودغدغة العواطف‏,‏ ودين الدولة الاسلام يقتضي بذاته الجزم بمصدرية الشريعة الاسلامية للتشريع والا كان النص لغوا‏,‏ وليس يصح في الاذهان ان يكون أثبت نص في الدستور هو ما يوصف بكونه لغوا‏.‏ ولايصح في الأذهان قط ان يقال ان المجتمع المصري عرف الشريعة الاسلامية مصدرا للتشريع منذ اعتلاء السادات اريكة حكم مصر في‏1971‏ وانه عرف الشريعة بوصفها المصدر الرئيسي للتشريع منذ شهر مايو سنة‏1981‏ بالتعديل الدستوري الذي ادخله السادات‏.‏ والسؤال العجيب هو‏:‏ هل صارت مصر إسلامية بقرار من الرئيس السادات ولم تكن كذلك قبلها؟

أنا لا أجحد حقيقة ان الرئيس السادات إنما اراد بهذا النص ان يؤلف قلوب المصريين ليتمكن من تعديل الدستور بما يتيح له الترشيح للرئاسة لاكثر من مدتين‏,‏ ولكن هذا لا يعني ان مصدرية الشريعة الاسلامية كانت امرا غير وارد ولا مهم‏.‏ بل ان محاولته استغلال هذا الهدف الشعبي العام لتحقيق مصلحة ذاتية له في امر آخر‏,‏ انما هو اقرار بأهمية هذا الهدف العام وإلا لما كان سانحا له ان يؤلف به القلوب‏.‏

ونحن نعرف في مناهج تحليل الاحداث التاريخية‏,‏ ان الحدث التاريخي‏,‏ او الحدث العام الذي يشمل او يؤثر في جماعة كبيرة‏,‏ يندر ان يكون له سبب وحيد‏,‏ انما هي مجموعة من الاسباب تتجمع لاحداثه بأثره البعيد وفي وقت محدد بعينه وفي ومكان معين‏.‏ هناك ما يمكن ان نسميه وعاء السببية لهذا الحدث أو مجموعة الاسباب المحدثة له‏.‏ ونقول ايضا ان امرا حدث عندما توافرت أسبابه وانتفت موانعه‏,‏ لان السبب عندما يتوافر يمكن ان يبطله مانع معاصر له أو لا حق عليه‏.‏ وتتراوح الاسباب بين الجوهري والثانوي‏,‏ وبين العام والخاص‏,‏ وكل ذلك يؤثر في تشكيل الحدث وفي أنواع الآثار التي يرتبها‏.‏

فمثلا‏,‏ اشتعال الحرب العالمية الثانية في سبتمبر‏1939,‏ وهي الحرب التي استمرت علي نطاق العالم لمدة ست سنوات وحطمت مدنا ودولا‏,‏ وقتلت عددا من البشر يتراوح بين‏32‏ مليون و‏60‏ مليون شخص‏,‏ حسب اختلاف التقديرات‏.‏ هذه الحرب يمكن ان يقال ان سببها هو احتلال هتلر زعيم المانيا النازية وقتها لميناء دانزج التابع لبولندا رغبة في التوسع والمجد الذاتي للزعيم الدكتاتور‏,‏ ويمكن ان يقال ان سببها أن هذا الميناء متنازع عليه تاريخيا بين المانيا وبولندا‏,‏ ويمكن ان يقال ان المانيا كانت تثأر لنفسها مما فرض عليها من هزيمة في الحرب العالمية الاولي‏(1914‏ ـ‏1918),‏ ويمكن ان يقال انه صراع عالمي بين الدول الاستعمارية الكبري حول اعادة تقسيم العالم الي مناطق نفوذ بينهم حسب قوتهم المتغيرة‏.‏ وكل هذه الأسباب صحيحة‏,‏ وإن تجمعها بين سبب خاص وسبب عام هو ما ادي إلي حدوث الحرب في وقت معين ومكان محدد وشمولها للعالم واستمرارها سنوات‏.‏

ومثلا النحاس باشا رئيس الوزاره الوفدية بمصر الغي معاهدة‏1936‏ بين مصر وبريطانيا‏,‏ وذلك في أكتوبر سنة‏1951,‏ وكان ذلك استجابة لمطلب شعبي وطني شامل‏,‏ كما كان استجابة لتراث الوفد الوطني وقتها‏,‏ كما كان من شأنه أن يقوي وزارة الوفد ضد مؤامرات القصر الملكي ويضعف المعارضة الشعبيه ضدها‏..‏ وكل هذه الاسباب صحيحة‏,‏ وإن تجمعها هو ما قام به الحدث من وزارة معينه في تاريخ محدد‏,‏ وامتد اثره من بعد فيما لا وجه لتكراره الآن‏.‏

وبالمثل فإن نص المادة‏2‏ من دستور‏1971,‏ هو اولا سار علي نهج سوابقه فيما يتعلق بأن دين الدولة الرسمي الاسلام‏,‏ ونص علي مصدرية الشريعة الاسلامية‏,‏ وهو حكم لا يزيد عن كونه تطبيقا لأن دين الدولة الاسلام‏,‏ لأن الدين هو الموجعية أو المصدرية‏,‏ والسادات اراد أن يؤلف قلوب المصريين لنفسه بأن يستجيب لمطلب لديهم له هذه الاهمية‏.‏

(5)‏ نقطة اخيره اختتم بها حديثي‏,‏ فنحن عندما نفسر اي قانون ونستقريء احكامه‏,‏ لا ننظر الي كل نص فيه علي حدة‏,‏ نحن نتفهم كل حكم بما يعنيه ثم نضع احكام القانون كلها جنبا إلي جنب‏,‏ لأن كل نص انما يحد من اطلاق غيره‏,‏ ولأن المعني المستفاد من اي نص انما يتداخل في المعاني المستفادة من النصوص الأخري‏,‏ ولأن السياق هو الذي يضبط المعني ويظهر وجه التفسير‏,‏ واللفظ الواحد يتكشف معناه من موضعه في الجملة‏,‏ والحكم الواحد تتكشف حدود معناه وضوابطه من موضعه من الاحكام الاخري‏,‏ وهذا ما يطلق عليه بأن النصوص يفسر بعضها بعضا‏.‏

وطبقا لهذا المفاد فإن وجود نص المادة الثانية من الدستور بين نصوص هذا الدستور وبين الاحكام الاخري المتعلقة بالمساواة بين المواطنين وإن اختلفت اديانهم او مذاهبهم‏,‏ انما يجعل حكم الدستور دائرا في تفسير كل نص ما يفضي به النص الآخر‏,‏ ومن ثم يكون ملزما ـ من وجهة النظر الدستورية في تفسير مصدرية الشريعة الاسلامية للقوانين ـ ان يكون ما هو دستوري من هذه المصدرية ما يتجانس مع مباديء الدستور الاخري واحكامه الاخري‏,‏ وذلك في نطاق ما تسعه مباديء الشريعة الاسلامية من وجهات نظر‏.‏

ان الفقه الاسلامي يقر تعددا في الآراء وتنوعا في الحلول في إطار ما تسعه نصوص الاحكام‏,‏ وفي هذا التعدد والتنوع يعرف الفقهاء أن صاحب الولاية يمكن ان يرجح رأيا من هذه الآراء علي رأي آخر‏,‏ فيصير هو الرأي الفقهي الملزم للجماعة‏.‏ ونحن عندما نحيط الدولة رسميا بدين الاسلام ونقرر مصدرية الشريعة في ذات الاحكام الدستورية التي تقر بالمواطنة والمساواة في الحقوق الواجبات العامه والخاصة‏,‏ نحن بذلك نكون قد أقررنا ــ بما للدستور من تنظيم الولايات العامة ــ بأننا ملتزمون دستوريا بتبني الرأي الفقهي الذي تسعه احكام الشرع الاسلامي مما يدعم ويؤكد مبدأ المساواة بين المواطنين وغيره من المباديء الواردة بالدستور مما تسعه مباديء الشريعة‏.‏

أما إذا اسقطنا هذا الحكم الوارد بالمادة‏2‏ من الدستور‏,‏ فإن الدستور يفقد هذه الصلة الوثيقة بين المباديء التي يحرص علي تثبتها لدي الجماعة السياسية وبين مباديء الشريعة الاسلامية فيما تسعه من احوال ومباديء‏.‏ ومن ثم لا يقوم هذا الترجيح الذي يملكه ولي الأمر في الجماعة بين ما تحتمله نصوص الاحكام الشرعية واحكامها من تباين وتنوع واختلاف‏.‏

والاسلام‏,‏ كما نعرف جميعا‏,‏ أيا كانت درجة ايماننا به‏,‏ هو قديم لم يأت به نص دستوري‏,‏ وهو باق لا يلغيه تجاهل دستوري‏,‏ ولذلك فإن التعامل معه خير للدولة بمؤسساتها وللجماعة بفصائلها من التجاهل له‏.‏ والحمد لله

No comments: