Tuesday, June 26, 2018

الجنزوري وحديد اسوان والنقض



في كتابه ( مصر والتنمية) الصادر عن دار الشروق ذكر الدكتور كمال الجنزوري محكمة النقض بخصوص حديثه عن مشروع حديد اسوان. ذكر الجنزوري ان هذا المشروع "يكاد ان يكون اول مشروع يثبت جدواه بحكم قضائي بات لمحكمة النقض أعلى سلطة قضائية في البلاد." (دار الشروق ٢٠١٣ - ص ١٥٦). الاحكام الصادرة بخصوص مشروع حديد اسوان بحاجة الي دراسة علمية جادة لمعرفة معايير التقييم القضائي للجدوى الاقتصادية للمشروعات ومدى التزام الجهات الرقابية والنيابة العامة لهذه المعايير في قضايا الفساد التي تحيلها إلي المحاكم


كتب محمد عياد‏:‏
وافق المستشار ماهر عبدالواحد النائب العام علي قرار الاتهام في قضيه حديد اسوان‏,‏ الذي اعده المستشار بولس فهمي المحامي العام الاول لنيابه الاموال العامه العليا‏,‏ والمتضمن احاله كل من محمد عبدالرءوف بهجت رئيس مجلس اداره شركتي اسوان للتنميه والتعدين‏,‏ واسوان للحديد والصلب‏,‏ ونائبه في الشركتين محمد علي ابراهيم شيمي‏(‏ محبوسين‏)‏ الي محكمه امن الدوله العليا بدائره محكمه استئناف القاهره لاتهامهما بالاتفاق الجنائي والاختلاس والاستيلاء علي المال العام والتربح منه والاضرار العمدي به‏,‏ والتزوير في محررات اجدي الشركات التي تسهم الدوله في اموالها‏,‏ كما تضمن قرار الاحاله لاول مره منذ اعمال الماده‏208‏ مكرر من قانون الاجراءات الجنائيه استمرار منعما واولادهما المتهمين من التصرف في اموالهم العقاريه والمنقوله والسائله وفقا للحكم الصادر من محكمه امن الدوله العليا‏,‏ وذلك لتوافر ادله كافيه جديده للاتهامات التي وجهتها النيابه اليهما‏.‏
بدات وقائع القضيه التي استغرق التحقيق في‏3‏ شهور ببلاغ في اواخر شهر يناير الماضي الي النائب العام من بنك الاستثمار القومي بصفته مساهما في شركه اسوان للحديد والصلب بنسبه‏20%‏ وتضمن البلاغ تشكك البنك في ان المتهمين لم يسددا قيمه مساهمتهما في الشركه‏,‏ والتي تعادل مبلغ‏97‏ مليون جنيه‏,‏ وفور تلقي نيابه الاموال العامه العليا البلاغ وحرصا منها علي مصلحه المستثمرين والمساهمين في الشركه فقد يسرت للمتهمين جميع سبل الاتصال بالبنوك الاجنبيه ومكنتهما من مخاطبه هذه البنوك التي ادعيا تمويل المبلغ المذكور في بلاغ بنك الاستثمار من خلال هذه البنوك كما كلفتهما بتقديم جميع المستندات التي تدل علي السداد الا انهما فشلا في اثبات تحويل المبلغ المذكور علي مدار جلسات التحقيق‏.‏
وكشفت التحقيقات التي باشرها علاء اباظه رئيس النيابه ان المساهمين في هذه الشركه من جهات المال العام‏,‏ بنك الاستثمار القومي‏20%‏ وبنكي مصر‏5%,‏ وفيصل الاسلامي‏5%,‏ وشركه الشرق للتامين‏5%‏ وقد سددوا جميعا كامل الحصص المذكوره في تاسيس الشركه‏,‏ وتم سؤال المسئولين في هذه الشركه‏,‏ وتبين من التحقيقات انه بالاضافه الي ان المتهمين لم يسددا حصتهما في راس المال فقد استخدما اموال بنك الاستثمار في الصرف علي عمليه التاسيس‏,‏ كما انهما كانا ينويان طرح اسهم الشركه من خلال البورصه حتي يبدوا للجميع ان الدوله بجانبهما ومعهما‏,‏ وذلك ليتمكنا من جمع اكبر مبالغ من المواطنين‏,‏ الا ان هيئه سوق المال رفضت اصدار الاسهم بعد ماثبت من ان المتهمين لم يسددا حصتهما‏.‏
كما تبين من التحقيقات ان المتهمين اضافا حصص بنكي مصر وفيصل الاسلامي وشركه الشرق للتامين الي ذمتهما الماليه‏,‏ كما ان المتهم الاول اختلس قيمه مساهمات بعض الافراد الذين ساهموا في الشركه وضمها الي ذمته الماليه وقرر بعض هؤلاء الافراد ان مساهمتهم كانت صوريه لاستيفاء الشكل باضافه مجموعه من الاسهم صوريا وقرروا انهم مجرد موظفين في الشركه‏.‏
وكلفت النيابه هيئه الرقابه الاداريه باجراء التحري عن الواقعه والتفتيش واسفر ذلك عن ضبط عقد مماثل للعقد الذي قدم الي جميع الجهات في مصر‏,‏ ولكن مضمونه مختلف حيث تبين انه يتضمن توريد معدات قديمه بعد اعاده تجديدها وتاهيلها في حين ان العقد الذي قدم الي الجهات الحكوميه يتضمن توريد مصنع كامل جديد‏,‏ والعقد الذي تم ضبطه عليه ذات الرقم وذات التاريخ وذات التوقيعات‏,‏ كما قرر وكيل الشركه الاجنبيه المتعاقد معها انه خاطب ت اكثر من مره لتقديم مستندات تفيد سداد المتهمين للدفعه المقدمه الا ان الشركه رفضت ذلك‏.‏
وانتهت النيابه الي سؤال جميع من له صله بهذا الموضوع حيث استمعت الي‏9‏ شهود اثبات بخلاف عدد من المسئولين في جميع الجهات الحكوميه التي اشتركت في فحص المستندات‏,‏ واكدوا جميعا ان المتهمين تمكنا من خداع هذه الجهات محتجين ببعض صور ضوئيه لمستندات تبين انها غير صحيحه وغير قابله للتنفيذ‏.‏
وقد وجهت لهما النيابه بصفتهما موظفين في احدي الشركات التي تسهم فيها جهات المال العام تهمه استوليا بغير حق وبنيه التملك علي مبلغ‏15‏ مليون جنيه مملوكه لجهه عملهما‏,‏ وكان ذلك بان رتبا مديونيه وهميه علي جهه عملهما مقدارها‏54‏ مليون مارك الماني معادله لمبلغ‏182‏ مليون و‏333‏ الف جنيه مصري ادعيا علي خلاف الحقيقه سدادها لشركه مانزمان ديماج الالمانيه كدفعه مقدمه عن العقد المبرم بينهما وبين الشركه التي يعملان بها وحصلا بموجب هذه المديونيه الوهميه علي اسهم باسميهما قيمتها‏97‏ مليون جنيه باعا حصه منها بشركه الشرق للتامين وبنكي مصر وفيصل الاسلامي بمبلغ‏15‏ مليون جنيه‏.‏
كما اتهمتهما النيابه بالتربح من اعمال وظيفتهما والتزوير في محرر لاحدي الشركات التي يسهم فيها المال العام وهو العقد المبرم بين المتهمين والشركه الالمانيه‏,‏ كما انهما اضرا بالمال العام بان اتخذا اجراءات تاسيس الشركه في شهر سبتمير‏98‏ لتنفيذ العقد المزور واستنفدا المسدد من مساهمات جهات المال العام والبالغ قيمتها‏19‏ مليونا و‏380‏ الف جنيه علي تجهيزات مشروع مجمع الحديد والصلب باسوان رغم علمهما بتزوير عقد تتوريد معداته وامتناعهما عن تنفيذ عقد التوريد الحقيقي في تاريخ سابق علي تاسيس الشركه لاحلالهما بشروط سداد العربون‏.‏
نص المنشور يوم 10 ابريل 2000 فى جريدة الأهرام

القاهرة: نجوى عبد العزيز 
٣٠ يونيو ٢٠٠٢
 
تقدم النائب العام المصري المستشار ماهر عبد الواحد علي بطعن ضد حكم محكمة جنايات القاهرة ببراءة المتهمين في قضية الفساد بشركة أسوان للتنمية والتعدين وأسوان للحديد والصلب وهما محمد عبد الرؤوف بهجت ومحمد علي ابراهيم شيمي. وكانت النيابة قد اتهمت المسؤولين بالاستيلاء على مبلغ خمسة عشر مليون جنيه مصري (2.6 مليون دولار) تعود لجهة عملهما، وحصولهما لنفسيهما على ربح من أعمال وظيفتيهما بملكيتهما لأسهم قيمتها اثنان وثمانون مليون جنيه (14.6 مليون دولار) بشركة أسوان للتنمية والتعدين، والتزوير والاضرار العمدي بأموال ومصالح جهة عملهما. كما نسبت للمتهم الأول اختلاس مبلغ مليارين و198 مليون جنيه مصري.  وقالت النيابة في مذكرة الطعن ان الحكم شابه قصور في التسبيب، وفساد في الاستدلال في جميع كلياته وجزئياته وأكدت أن «الأدلة القولية والتقريرات التي ساقتها النيابة العامة لشهود الاثبات لا تعدو أن تكون مجرد تحريات أو استنتاجات أو آراء لأصحابها حملت جميعاً عبارات عدم التأكد وتعذر المعرفة والشك وأخيراً عدم الجزم من سلطة الاتهام بما اذا كان المتهمان قد سددا مبلغ 54 مليون مارك ألماني لشركة مانزمان ديماج من عدمه». وأوضحت النيابة «خالف أقوال هؤلاء الشهود الذين جاءت عباراتهم جازمة قاطعة لا تحتمل تأويلاً أو تفسيراً في عدم سداد المتهمين للمبلغ». واستعرضت النيابة في مذكرتها أقوال شهود الواقعة التي تؤكد ذلك. وأشارت الى أن الحكم نسب لبعض الشهود شهادة لم ترد بأقوالهم وقام بتقييم شهادة بعضهم خارجاً عن سياقها الذي قيلت فيه وحصل شهادة آخرين على نحو يخالف مضمونها وخرج بشهادة البعض الآخر.  وانتهت النيابة الى أن «الحكم حين طرح شهادة الشهود على النحو السالف ينبئ عن عدم احاطته بأقوالهم في التحقيقات». ونعت النيابة على الحكم تعويله على كافة المستندات المقدمة من المتهمين تدليلاً منهما على سداد المبلغ رغم ما كشفت عنه الأوراق والتحقيقات وأقوال شهود الاثبات على عدم سداد المتهمين له. وعمد الحكم الى عدم تناول بعض تلك المستندات ايراداً ورداً رغم تعارضها جملة وتفصيلاً وتناقضها تناقضاً صارخاً مع سائر مستندات المتهمين التي عول عليها الحكم في قضائه ودون أن يعن الحكم ببيان مدى تأثيرها على المستندات الأخرى التي استند اليها ونأى الحكم بنفسه نأياً عن استعراض الأدلة المؤكدة على اصطناع الشركة الألمانية هذه المستندات.

Friday, June 22, 2018

شبهات عوار دستوري في تشريع اوبر وكريم



حسنا فعلت الحكومة بتقديمها لعلاج تشريعي يتعلق بشركات اوبر وكريم وغيرها من شركات المقدمة لخدمات النقل البري باستخدام تكنولوجيا المعلومات لكن اخشى ان التنظيم الحالي يثير شبهات عدم الدستورية في عدة أوجه. جانب كبير من شبهات عدم الدستورية اساسه ان الاساس الذي انبنى عليه هذا العلاج التشريعي لم يهتم كفاية بالموازنة بين مصلحة الحكومة ومصلحة المجتمع نفسه في تحقيق الاستخدام الامثل لموارده، كما انه لم يراعي خصوصية قطاع حيوي هو تكنولوجيا المعلومات، كما أنه لم يراعي بعض الحقوق الدستورية الاساسية لمستهلكي هذه الخدمات والتي لا يمكن للسلطة التنفيذية اختراقها -حتى بذريعة حماية الأمن القومي- دون اذن من السلطة القضائية، وبالتالي يمكن لمستهلكي هذه الخدمات الرجوع بالتعويض على مقدمي الخدمات لو حدث انتهاك لهذه الحقوق


الشروق- كتبت - رانيا ربيع: نشر فى : الإثنين 7 مايو 2018 - 5:24 م | آخر تحديث : الإثنين 7 مايو 2018 - 5:24 م 


 ثلاثون مليون جنيه رسوم تراخيص على 5 سنوات.. والحفاظ على سرية المعلومات وتقديمها للجهات المعنية عند الطلب   

وافق مجلس النواب، برئاسة الدكتور علي عبد العال، نهائيا على مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن تنظيم خدمات النقل البرى للركاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات، والذي يقنن أوضاع شركتي أوبر وكريم. ويلزم القانون الشركات العاملة في هذا المجال بتوفيق أوضاعها طبقاً لحكم هذا القانون خلال مدة لا تتجاوز 6 أشهر وعدم تطبيق المواد العقابية عليها إلا بعد انقضاء تلك المدة.  جاء ذلك فى الجلسة العامة للبرلمان، اليوم الإثنين، وانتظم مشروع القانون في 4 مواد خاصة بالإصدار و19 مادة، حيث حددت مادة الإصدار الأولى نطاق سريان القانون في النقل البري للركاب بالمركبات الخاصة ووسائل النقل الجماعي باستخدام تكنولوجا المعلومات.  فيما ألزمت مادة الإصدار الثانية الشركات التي تتيح أو تؤدي خدمات النقل البري للركاب بالمركبات الخاصة أو بوسائل النقل الجماعي باستخدام تكنولوجيا المعلومات والقائمة في تاريخ العمل بهذا القانون أن تقوم بتوفيق أوضاعها طبقا لأحكام القانون المرافق خلال مدة لا تجاوز ستة أشهر من تاريخ العمل به، على أن تؤدي هذه الشركات مقابلا لتوفيق أوضاعها يحدده رئيس مجلس الوزراء بما لا يجاوز رسوم الترخيص المقررة سنويا بموجب أحكام القانون المرافق، فضلا عن عدم سريات المواد العقابية المنصوص عليها إلا بعد انقضاء مدة الستة أشهر المشار إليها.  وحددت المادة الثالثة من مواد الإصدار مدة شهرين يتم خلالهما إصدار رئيس مجلس الوزراء بعد موافقة مجلس الوزراء وبما يضمن جودة الخدمة القرارات التنظيمية اللازمة لتطبيق أحكام القانون بناء على اقتراح الوزراء أو الجهات المعنية.  وتضمنت المادة الأولى من مواد مشروع القانون تعاريف، من بينها: تصريح التشغيل الذي يصدر للمركبات ووسائل النقل الجماعي التي تعمل ضمن خدمة النقل البري للركاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات، وكارت التشغيل وهو عبارة عن بطاقة تصدر لقائدي المركبات ووسائل النقل الجماعي ضمن الخدمة، والعلامة الإيضاحية وهي شعار مميز يجب وضعه على المركبات ووسائل النقل الجماعي أثناء النقل باستخدام تكنولوجيا المعلومات.  وفيما يتعلق بتراخيص وتصاريح كروت التشغيل والعلامات الإيضاحية، نصت المادة الثانية على: يجوز تقديم أو إتاحة خدمة النقل البري باستخدام تكنولوجيا المعلومات بموجب ترخيص يصدر وفقا لأحكام هذا القانون.  ويصدر رئيس مجلس الوزراء بعد موافقة مجلس الوزراء قرارا تنظيميا بالقواعد والشروط والإجراءات وضوابط التعريفة اللازمة للترخيص للشركات بأداء أو إتاحة الخدمة.. فيما نصت المادة الثالثة على: يصدر رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية وبعد موافقة مجلس الوزراء قرارا بالشروط والإجراءات والضوابط االلازمة لإصدار تصاريح التشغيل، ويحدد القرار رسوم إصدار هذه التصاريح وفئاتها بحد أقصى ألفي جنيه سنويا، يجوز سدادهما نقدا أو بأية وسيلة أخرى تتقرر في هذا الشأن.  ونصت المادة الرابعة على: تؤدي مركبات النقل البري، المصرح لها بالعمل مع الشركات المرخص لها بإتاحة أو أداء الخدمة، الضرائب والرسوم المقررة على المركبات والمحددة بالجدول المرفق بقانون المرور رقم 66 لسنة 1973، مع أداء ضريبة ورسم إضافيين بنسبة 25% من قيمة الضرائب والرسوم المشار إليها.  ونصت المادة الخامسة على أن "يُحدد بقرار من رئيس مجلس الوزراء، بناء على اقتراح الوزير المختص، وبعد العرض على مجلس الوزراء، عدد تراخيص التشغيل وفئات رسوم الترخيص فى ضوء عدد المركبات العاملة مع الشركة، وذلك بحد أقصى ثلاثين مليون جنيه لمدة خمس سنوات، على أن تسدد 25% من هذه النسبة فى بداية الترخيص، ويسدد الباقى خلال باقى مدة الترخيص، ويسدد رسم الترخيص بالوسائل المتعارف عليها فى هذا الشأن، كما يحدد القرار معايير تحديد المركبات التى تعمل وفقا لمنظومة النقل باستخدام تكنولوجيا المعلومات، وتصدر الوزارة المختصة تراخيص التشغيل للشركات التى تتيح أو تؤدى الخدمة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد لمدد مماثلة بعد سداد رسوم الترخيص".  كما نصت المادة السادسة على: يصدر رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية وبعد العرض على مجلس الوزراء قرارا بالشروط والضوابط والإجراءات اللازمة لإصدار كارت التشغيل، ويحدد القرار رسوم إصدار هذه الكروت وفئاتها، وذلك بحد أقصى الف جنيه سنويا، يجوز سدادها نقدا أو بأية وسيلة أخرى تتقرر في هذا الشأن.. فيما نصت المادة السابعة على: يحدد رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض وزير الداخلية شكل ولون ومكان وضع العلامة الإيضاحية وجهة طباعتها أو إعدادها وقيمة التأمين الخاصة بها.  ونصت المادة الثامنة على: يحظر استخدام مركبات النقل البري في أداء الخدمة إلا من خلال الشركات المرخص لها، وبعد الحصول على تصريح الشغل. ويحظر على الأشخاص الطبيعيين أداء الخدمة إلا من خلال الشركات المشار إليها وبعد الحصو على كارت التشغيل. ويحدد رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض وزير الداخلية وبعد العرض على مجلس الوزراء الضوابط اللازمة لعدد من يصرح له بقيادة المركبات الخاصة ووسائل النقل الجماعي المصرح لها بالعمل مع الشركة المرخص لها والإجراءات المنظمة لذلك.  ونصت المادة التاسعة على أنه مع مراعاة حرمة الحياه الخاصة التي يكفلها الدستور، تلتزم الشركات المرخص لها باتاحة او بأداء الخدمة والتابعون لها، بأن توفر لجهات الامن القومى وفقا لاحتياجاتها كافة البيانات والمعلومات والامكانيات الفنية من معدات ونظم وبرامج لتلك الجهات ممارسة اختصاصاتها وفقا للقانون حال طلبها، وذلك على النحو الذى يحدده قرار رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض جهات الأمن القومى".  فيما نصت المادة العاشرة على أنه مع مراعاة حكم المادة 9 من هذا القانون ،تلتزم الشركات المرخص لها بإتاحة أو بأداء الخدمة والتابعون لها بتأمين قواعد البيانات والمعلومات بما يحافظ على سريتها وعدم اختراقها أو تلفها، كما تلتزم بحفظها بصورة مباشرة وميسرة لمدة مائة وثمانين يوما متصلة، وأن تتيحها لجهات الأمن القومي أو لأي جهة حكومية مختصة عند الطلب،ويحدد بقرار من رئيس مجلس الوزراء البيانات والمعلومات الواجب الاحتفاظ بها.  ونصت المادة 11 على أن: يلتزم ممارسو الخدمة سواء كانوا شركات مرخص لها أو أشخاصا طبيعيين بسداد كافة الضرائب والرسوم والتأمينات الاجتماعية المقررة قانونا، بشكل منتظم لصالح الجهات الحكومية المعنية وفقا للآلية المنصوص عليها بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض من الوزير المختص بعد التنسيق مع وزيري المالية والتضامن الاجتماعي. وتلتزم الشركات المرخص لها بعدم تشغيل أي من سائقي المركبات المرخص لهم إلا بعد تقديم الشهادة الدالة على سداد اشتراكات التأمينات الاجتماعية طبقا للأحكام الواردة في قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975.  ونصت المادة 12 على: تلتزم الشركات المرخص لها بإتاحة أو أداء الخدمة خال ثلاثة أشهر من تاريخ حصولها على الترخيص بوضع سياستها اللازمة لدمج سيارات الأجرة ضمن منظومتها، والعمل على تنمية قدرات سائقي هذه السيارات، وتعتمد هذه السياسات من قبل الوزير المختص، وتلتزم الشركات بتنفيذها.. فيما نصت المادة 13 على: تلتزم سيارات الأجرة التي تنضم إلى الشركات المرخص لها بإتاحة أو أداء الخدمة بأحكام هذا القانون، عدا نسبة 25% من قيمة الضرائب والرسوم المنصوص عليها بالمادة (4) من هذا القانون.  • وبالنسبة للعقوبات:  نصت المادة 14 على: مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد يقررها قانون العقوبات أو أي قانون آخر، يعاقب على الأفعال المبينة في المود التالية بالعقوبات المقررة لكل منها.. فيما نصت المادة 15 على: يعاقب بغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تزيد على خمسة ملايين جنيه كل من قام بإتاحة أو أداء الخدمة دون الحصول على ترخيص بذلك من الوزارة المختصة أو دون الحصول على تصريح التشغيل أو كارت التشغيل بحسب الأحوال.  ونصت المادة 16 على: يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه كل من ارتكب فعلا من الأفعال الآتية: أ- قاد سيارة لاداء الخدمة دون الحصول على تصريح التشغيل أو كارت التشغيل بحسب الأحواال. ب- قاد سيارة لا تحمل العلامة الإيضاحية أثناء أداء الخدمة. ج- خالف أيا من الضوابط أو الشروط أو الإجراءات المنصوص عليها في القرارات الصادرة تنفيذا لأحكام هذا القانون.. فيما نصت المادة 17 على: يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسمائة ألف جنيه ولا تزيد على خمسة ملايين جنيه كل شركة مرخص لها بإتاحة أو أداء الخدمة خالفت أحكام المواد أرقام (9)، و(10)، و(12) من هذا القانون، ويحكم فضلا عن ذلك بإلغاء ترخيص التشغيل.  كما نصت المادة 18 على: دون الإخلال بالمسؤولية الجنائية للأشخاص الطبيعيين، يعاقب المسؤول عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري بذات العقوبات المقررة عن الأفعال التي ترتكب بالمخالفة لأحكام هذا القانون إذا ثبت علمه بها وكان إخلاله بالواجبات اللتي تفرضها عليه تلك الإدارة قد أسهم في وقوع الجريمة. ويكون الشخص الاعتباري مسؤولا بالتضامن عن الوفاء بما يحكم به من عقوبات مالية وتعويضات في هذه الحالة.  فيما نصت المادة 19 على: يكون لموظفي الوزارة المختصة الذين يصدر بتحديدهم قرار من وزير العدل بناء على اقتراح من الوزير المختص صفة الضبطية القضائية بالنسبة لتطبيق أحكام هذا القانون فيما يدخل في اختصاصهم
 

Sunday, June 17, 2018

عيد سعيد وكل عام ومصر أقوى



كل عام والمصريين بخير والي الله اقرب. كل عيد ومصر أقوى واقرب ما تكون للعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وابعد ما تكون عن الفحشاء والمنكر والبغي. تقبل الله منا ومنكم صالح العمل والدعاء واعاننا على تزكية نفوسنا من رمضان الي رمضان كل عام

Saturday, June 9, 2018

الدولة كشركة والدولة كمجتمع بشري




يظن البعض ان الولايات المتحدة دولة تدار كشركة، واعتقد ان هناك فارق بين حكومة الولايات المتحدة التي تدار فعلا كشركة وبين المجتمع الأمريكي الذي يدار كجماعة بشرية نشطة للغاية. اهم ما يميز المجتمع الأمريكي هو مساحة الحركة التي تتمتع بها الجماعات البشرية المتنوعة والتي لا حصر لها، ومن تفاعل هذه الجماعات فيما بينها واحتكاكها بعضها البعض، نجد هذا الثراء الأمريكي في الأفكار وفي الأعمال. ولعل خير مثال على ذلك، أن السياسة الخارجية الأمريكية يساهم في وضعها جماعات من المجتمع الأهلي مثل منظمات راند وكارنيجي وغيرهما

The Assault on Intelligence: American National Security in the Age of Lies


كتاب جديد صدر لمايكل هايدن بعنوان
The Assault on Intelligence: American National Security in the Age of Lies
Michael V. Hayden

والمؤلف عسكري امريكي سابق ترأس وكالة الأمن القومي وكذلك وكالة الاستخبارات الأمريكية لعدة مرات، ورغم أنه من الحزب الجمهوري، إلا أن تعيينه جاء بواسطة رئيس ديمقراطي هو الرئيس كلينتون، ثم استمر خلال عهد جورج بوش الابن وادارة اوباما. وقد انتقد المؤلف ادارة طرامب بسبب اعتماد الأخير على الولاء له شخصيا وليس الولاء للقيم السائدة في المؤسسات التي تقوم عليها الولايات المتحدة خاصة المؤسسات المهمة مثل وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالية  

Monday, June 4, 2018

السنهوري ودستور الامارات



صناعة دستور دولة الامارات العربية المتحدة نموذج فريد من نوعة من المهم دراسته. تذكرت ذلك وأنا أقرأ عبارة وردت في سناء البيسي في الاهرام في مقال بعنوان (رجال القضاء لا يملكون رد القضاء) قالت فيه
أبوالدساتير عبد الرزاق السنهوري الذي وضع لكل من سوريا وليبيا والسودان والعراق والكويت دساتيرها رافضا أي مقابل مادي علي جهده الشخصي في وضعها, وعندما طلب منه الشيخ زايد في عام 68 أن يضع الدستور الجديد لأول دولة تقوم في الخليج العربي اتحاد دولة الإمارات العربية واضعا تحت تصرفه جميع الإمكانات لتسهيل مهمته في أقرب وقت أوفد السنهوري ممثلين من أساتذة القانون لزيارة مختلف الإمارات للاطلاع علي ظروف القبائل والبدو لأخذ آرائهم ووجهات نظرهم وما يعني الشيوخ والشباب فيهم، وذلك ليجئ الدستور محققا أحلام الناس في كل أرجاء الدولة

أهمية بناء التوافق عند صناعة الدساتير مسألة لا خلاف حولها. هل تحقق ذلك في الدساتير المصرية مسألة بحاجة لبحث، وهل يتطور الامر تدريجياً بمرور الزمن؟ وهل يفيد ذلك في تحقيق التنمية السياسية والاجتماعية وبالتالي الاقتصادية؟ وهل هذا هو ما ادركه السنهوري حينها؟


 رجال القضاء لا يملكون لأنفسهم رد القضاء عبدالرزاق السنهوري بقلم: سناء البيسى  
الاهرام-

إذا ما كانت لا كفاءة لعالم إلا بالبحث‏,‏ ولا كفاءة لمقاتل إلا بالشجاعة‏,‏ ولا كفاءة لرائد فضاء إلا بروح المغامرة‏,‏ ولا كفاءة لتاجر إلا بالأمانة‏,‏ ولا كفاءة لراع إلا بإسعاد رعيته‏.

فإنه لا استقلال لقاض ولا حياد لقضائه إلا بروح الاستغناء التي يطالبه فيها كل من الدولة والقانون والعرف أن يعيش داخل صوبه نزاهة لا تلوثها أدران الأهواء.. أن يتحرك في غرفة عناية مركزة يصطحب معه جدرانها النقية أينما توجه درءا للشبهات.. مطلوب منه أن يكبل الطموحات ويحجم المغريات ويسد باب الاستثناءات ويرفض المجاملات التي قد تفتح عليه الثغرات.. مطلوب منه أن يكون قاطعا كالسيف, جسورا كالليث, يقظا كالصقر, منضبطا كالساعة, مهابا كقمة جبل, ناصعا كانبلاج الفجر, حادا فوق منصته كإقامة الصلاة, خاشعا في قراره كمن يتلو الآيات البينات, عادلا في حكمه فحكمة قضائه العدل.. ألا يطرق باب حاكم بل يذهب الحاكم إليه.. وأن يكون مصنوعا من الفولاذ لا تثنيه نار ولا يغير من معدنه جبار.. مطلوب منه ألا يهاب سلطة طاغية ولا يخاف إلا الله, وألا يخشي في الحق لومة لائم, وأن يقضي بميزان العدل هدف الرسالات السماوية كلها امتثالا لقوله تعالي: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط, والقاضي ضمير المجتمع, وحكم القضاء عنوان الحقيقة, وقاض في الجنة وقاضيان في النار... وسيرة الفقيه الدستوري المستغني الدكتور إبراهيم درويش أكبر قامة دستورية في مصر والوطن العربي ــــ صانع دستور56 و58 و64 ومقرر دستور71 والأب المنشئ للمحكمة الدستورية الذي قام بكتابة نصوصها بحيث تصدر أحكامها بأثر رجعي وليس من تاريخ الحكم, الذي استعانت به أمريكا لوضع حد للخلاف القائم حول صلاحيات البيت الأبيض والكونجرس الأمريكي لتمنحه الولايات المتحدة الجنسية الشرفية التي لم يحصل عليها من قبل سوي ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا ــــ تؤهله لدخول الجنة لكنها لسوء التقدير لم تؤهله لعضوية اللجنة التأسيسية لوضع الدستور الذي يصفه الفقيه درويش بأنه أبوالقوانين وأن القانون الدستوري شيء وكتابته شيء آخر مستشهدا في ذلك بـأبوالدساتير عبدالرزاق السنهوري الذي وضع لكل من سوريا وليبيا والسودان والعراق والكويت دساتيرها رافضا أي مقابل مادي علي جهده الشخصي في وضعها, وعندما طلب منه الشيخ زايد في عام68 أن يضع الدستور الجديد لأول دولة تقوم في الخليج العربي اتحاد دولة الإمارات العربية واضعا تحت تصرفه جميع الإمكانات لتسهيل مهمته في أقرب وقت أوفد السنهوري ممثلين من أساتذة القانون لزيارة مختلف الإمارات للاطلاع علي ظروف القبائل والبدو لأخذ آرائهم ووجهات نظرهم وما يعني الشيوخ والشباب فيهم, وذلك ليجئ الدستور محققا أحلام الناس في كل أرجاء الدولة.. ذلك هو الدكتور عبدالرزاق السنهوري أفقه علماء الفقه في تاريخ مصر الحديث, الذي بدأ حياته موظفا صغيرا عام1912 في جمرك اسكندرية ليحصل علي6 شهادات دكتوراه من فرنسا.. أبو القوانين الوضعية الذي وضع القانون المدني المصري في مؤلف من عشرة أجزاء استغرق في تأليفها عشرين سنة, كل جزء منها من ألف صفحة لتغدو الصفحات15 ألف صفحة, وقد أتم الجزء الأخير في مرضه الأخير ليقول عنه أساتذة القانون إنها تذكرنا بمجلدات فقهاء الإسلام في العصور الأولي التي يفرغون لها العمر كله.. أول من أدب القانون وقنن الأدب في مصر والعالم العربي, الذي أطلق عليه أساتذة الشريعة الإسلامية لقب الإمام الخامس بعد الأئمة الأربعة, وفي العراق لقبه تلامذته بالأستاذ الإمام.. رب البيت الذي قالت عنه زوجته: قضيت44 عاما مع رجل يعمل في مكتبه حتي الرابعة صباحا يوميا بلا انقطاع, وكان غارقا في التأليف ليستنشق الأوراق مثلما يستنشق النسيم, وقد اعتبرها فرحة غامرة تركه للوزارة لأنه سيعود مرة أخري للتأليف.
رياح التأسيسية والدستور وأبوالدستور وغضبة درويش الدستورية النارية أخذتني كلها إلي السنهوري وابنته نادية التي التقيتها في عام87 عند عودتها تحمل الدكتوراه من جامعة بافلوا الأمريكية في الأدب الإنجليزي لتعمل أستاذة له بكلية البنات جامعة عين شمس.. الابنة التي اختارت لها طريقا يقصيها عن مسيرة قوانين والدها التي جعلتها مربوطة علي الدرجة الثانية في قلبه رغم كتابته الشعر في حبهما معا الابنة والقانون:
خلفت بنتا في حياتي..ثم خلفـــت الولد
فالبنت نادية أتتني..من بعد يأس وكد
وإذا سألت عن الوليد..أباه لم يعـــزك رد
ولدي هو القانون لم..أرزقه إلا بعد جهد
يومها قالت لي نادية: في بيتنا الواسع بالجيزة الذي يسوده هدوء تلزمنا به الوالدة كي لا نخدش أجواء الإلهام الهابط علي الأب الغارق في التأليف, كثيرا ما حاولت أن استرعي انتباهه ليحادثني أو يداعبني, لكنها كانت محاولات جميعها تبوء بالفشل, فأبي لم يكن معنا, أو بالصحيح لم أكن معه, ولأنه لم يكن لي أخوة وأخوات أنافسهم علي حبه أو أتفوق عليهم في أي ميدان لأغدو الأثيرة عنده, فقد انصب غضبي علي أوراقه التي سرقته مني, ومن هنا لم أشاركه حرصه في أن أنحو منهجه في دراسة الحقوق ليراني امتدادا لحياته ووارثة لاهتمامه, بل اتخذت سكة بعيدة تماما لمستقبلي بدراسة الأدب الإنجليزي, وانبري هو ليؤكد لي أنني بهذا الاختيار سرت علي دربه فقد سبقني هو بالحصول علي أول دكتوراه له في القضاء الإنجليزي بالذات من جامعة ليون الفرنسية.. الدرجة التي خولت له ــ بمجرد إجازتها ــ الصعود لسلم الأستاذية في الجامعات الفرنسية عامة لاختيارها كأفضل رسالة جامعية علي الإطلاق, لكنه لم يكن هدفا ولا مقصدا لمستقبله الذي خططه للحصول علي دكتوراه جديدة من السوربون الفرنسية عنوانها نظام الخلافة في الفقه الإسلامي.. وواصلت دراستي وأوراق والدي بمثابة عالمه المغلق الذي تسكنه قوة طاردة فقد أخذت أبي مني حتي رحيله لتبقي نائية عني بعد أن أدرت لها ظهري.. لكن الحنين إلي أبي الذي أعيش في كنف تاريخه وجبال من ثناء تلامذته وفصاحة عباراته التي جعلته أحد علماء المجمع اللغوي ليرجوه طه حسين العدول عن استقالته منه للتفرغ لعمله, وأعطاه وهو في الواحدة والسبعين إجازة لمدة عام فقط يعود بعدها للمجمع ليكمل مسيرة إثرائه بكنوز معارفه جعلني مدفوعة لأحقق أمنيته الكبري وهي ترجمة رسالته عن الخلافة من الفرنسية للعربية, ووجدتني أتجول في مكتبته لتتفتح مسام عقلي وشرايين قلبي علي كنوزه التي خاصمتها طويلا لأقدم لها وله بالغ اعتذاري وأسفي علي سنين بددتها لم أنطو فيها تحت لواء قانونه العام ظنا بأن جنوحي سيأتيني به تحت مظلة قانوني الخاص.. وأهدتني روح أبي العظيمة المتسامحة من بين رفوف النصوص المكدسة وردة في يدي.. كراسة بالخط الرقعة الصغير الحميم الذي لا يغفل التواريخ, ويعتني بعلامات التعجب, ويضع خطوطا تحت كلمات تضرب في الأعماق, مثلما وضع خطين تحت جملته فقد نشأت يتيما.. كراسة علمت منها ما خفي من أمر جدي لأبي الذي بدد ماله وانتهي به المطاف إلي موظف صغير بمجلس بلدية الإسكندرية, وأن جدتي ترملت صغيرة بعد أن أنجبت من الأعمام ستة وعمتي فتحية التي ماتت طفلة, وكانت جدتي سريعة الاندفاع بقلب طيب أورثت طباعها لوالدي.. كراسة عنوانها حديث مع النفس..
السنهوري صديق توفيق الحكيم وجاره في الجيزة منذ عام1935 عندما كانا يسيران الهويني علي أقدامهما ساعة العصاري علي كوبري عباس يتبادلان الحديث الشجي وفي يد كل منهما قرطاس ترمس, ويتذكر الحكيم في كتابه عودة الوعي عندما همس له السنهوري عن مشروعه الوطني لغرس روح البطولة في نفوس الشباب, وأخذا يستعرضان معا أبطال التاريخ أصحاب المبادئ العظيمة أمثال عمر بن الخطاب وطارق بن زياد ورمسيس الثاني.. السنهوري صاحب الوسيط والوجيز, والخلافة ومئات الأبحاث والمؤلفات العربية والفرنسية في القانون والشريعة والفقه التي يحق لأي عالم ومفكر أن يفخر طوال حياته بأنه قام بتأليف واحد منها فقط.. السنهوري الواقف بالمرصاد ضد تكميم حرية الصحافة أو تعطيلها كسياج واق من عبث الحاكمين وطغيانهم.. عندما استعانت ثورة يوليو بفقه السنهوري كان لها مكسبا ومغنما, وعندما تم الاعتداء عليه كانت سقطة كبري لها, فهو من قبلها وبعدها أكبر عقل قانوني أنتجه العالم العربي, وكتاباته القانونية أرقي الكتابات الأدبية محليا وعالميا, ومن قبل23 يوليو كان قد أنشأ مجلس الدولة وأصبح رئيسا له ليغدو بمثابة البطل القومي لدي كل فئات الشعب المصري عندما كانت المعركة السياسية علي أشدها قبل الثورة, وكانت معظم المواجهات السياسية تنتهي إلي مجلس الدولة, وكان يصدر أحكاما قضائية بلغت القمة في شجاعتها ونزاهتها ودقتها في مراعاة القانون, وعمقها في تطبيق روح القانون وهو الأصعب والأهم, فكانت رئاسة مجلس الدولة أحد التحولات الكبري في حياة مصر, ومن بعد الثورة اقترب منه منصب أول رئيس لجمهورية مصر اقترابا شديدا, بل لقد رفض منصب رئيس وزراء مصر الذي أراده له محمد نجيب حيث كانت بينهما علاقة وطيدة, فالسنهوري كان أستاذه بكلية الحقوق, وكثيرا ما أشاد نجيب بتلك العلاقة, وليس من قبيل المصادفة أن يتم الاعتداء علي السنهوري بمجلس الدولة في29 مارس, وهو اليوم الذي جرت فيه محاولة الاعتداء المماثل علي محمد نجيب.. لقد عصفت تقلبات الثورة في أيامها بالسنهوري إلي حد التهجم الوحشي وانتهي الوضع به معزولا معتزلا غير مسموح حتي بذكر اسمه جمع أو في صحيفة.... السنهوري القانوني الذي كانت بلاغته القانونية تري أنه ليست كل ورقة تحمل ختم سلطة تشريعية أو تنفيذية قانونا, فالقوانين أحيانا تهطل كالمطر لكن سرعان ما تجففها الشمس وتمسحها الرياح, فقناعات الناس في تصرفاتهم تسير في مسالك أخري تماما, وهناك قوانين تنقل من الكتب أو تؤخذ من بلاد شتي متنافرة كمن ينتقي خلطة من عند العطار لكنها تبقي قوانين غريبة, فمن المستحيل أن تزرع شجرة بلاستيك لتثمر في أي مكان, فكل نبتة لها بيئة وطقس يحكم عليها بالعقم أو بالإثمار.. كذلك القانون.. السنهوري الأستاذ الذي أعطي لطلبته درسا بأن القانون ليس مجرد نصوص, أو أن الدنيا تتغير بتغير تلك النصوص, كأن يسن العدل بقانون والظلم يزول بقانون والخطأ يحدد بقانون والصواب يفعل بقانون.. لا.. لقد كان علم السنهوري هو المعبر عن روح المجتمع الصاعد من أعماقه كالتعبير الفني.
كراسة حديث مع النفس التي جمعت ذكريات السنهوري بدأها في11 أغسطس1921 من فوق باخرة رحلته إلي فرنسا بعد حصوله علي الليسانس من قسم الانتساب بمدرسة الحقوق عام1917, قبل أن تنشأ الجامعة المصرية, ولما كان ترتيبه الأول عين وكيلا للنيابة ثم مدرسا بمدرسة القضاء الشرعي ليوفد في بعثة إلي فرنسا يعود بعدها أستاذا وعميدا للحقوق ووزيرا للمعارف ثم رئيسا لمجلس الدولة الذي أرسي قواعده إلي جانب تأسيسه لجامعة الإسكندرية واضعا مشروع قانونها عام1942 وجامعة محمد علي التي قرر إنشاءها وهو وزير للمعارف عام1948, والمعروف أنه تولي وزارة المعارف أربع مرات ليخرج منها عام49 معترفا: لقد خدمت التعليم بكل جهدي وحاولت تخطي جميع الصعاب لكني فشلت في شيء واحد هو القضاء علي الدروس الخصوصية.. مع أيامه التي توقفت في11 أغسطس1969 بعدما ارتعشت اليد التي أصابها الوهن فوضعت القلم ولزمت المرض وكتبت بالدمع علي صفحة العين رؤوس مشروعات وكتبا وأبحاثا ظل العقل ممتلئا بمدادها, لكنه الأجل الذي يقطع علي اليد والعقل والقلم الطريق عندما يأتي قراره العلوي في21 يوليو.....1971 بين ذكرياته أقلب الأوراق فتختلط الأيام ليتسيد يوم شعاره الفن يجاوره يوم مغموس بهم يطاوله يوم تسوده روحانية يعقبه يوم كلماته الشعر يسبقه يوم يرسو به الفكر.. وهذه بعض سباحات أيامه: ركبت البحر لا أعلم ما يخبئه الغيب لي, ولم يبك من أهلي إلا اثنان, وآخران لم يبكيا, لأحدهما عندي منزلة خاصة وللآخر منزلة هو عالم بها, وحياة العواطف كلها أشواك.... شهدت للمرة الأولي الممثلة سارة برنار التي تبلغ السبعين تمثل دورا يتلاءم معها, وسمعتها تتكلم فألفيت صوتها طبيعيا عذبا ليس فيه شيء من التكلف الذي ينهجه الممثلون, إلا أنها لا تدهش السامعين في أول أمرها لكنها تتدرج بهم حتي يمتزجوا في نفسها فلا يشعرون إلا بشعورها ولا يرون إلا بعينها دون تكلف, ولم تنته الرواية إلا وقمت معجبا بها كل الإعجاب مصفقا لها حتي كادت يداي تدميان آسفا علي ما فاتني منها في جميع مراحل عمرها علي خشبة المسرح..... أري الصنعة لها دخل كبير في أخلاق الفرنسيين, فالحديث عندهم فن, والتحية فن, حتي الجمال الذي تهبه الطبيعة الفن فيه له المجال الأكبر, ولا أقصد بهذا أدوات التزويق والدهان فحسب بل أيضا فن الملاطفة والبشاشة والمجاملة والذوق, وأقول: إن البشاشة عندهم لها فنها كأن يصفون شخصا ليس عليه مسحة من جمال بأنه لطيفGentil وخلابCharmant وجذابSympatique, ومن هنا يغدو الجميع سعداء.... أشعر ودائي أني أشعر وهذا هو موضع الضعف عندي.... لا أحسب أن أحدا قد نفذ إلي دقائق الحياة من بعد الأنبياء أكثر من رجلين: المتنبي وشكسبير... حتي تكون قويا ليس أمامك سوي أن تريد... رأيت فيما يري النائم أن الغرب تشرق عليه شمس ساطعة حدقت فيها طويلا ثم أدرت وجهي تجاه الشرق فرأيت شمسا أوسع مدي وأسطع نورا وحسبت أني أنا الذي أنقل هذه الشمس بيدي, شمس الشرق للغرب, وكأني وقتها سمعت لفظ العلم يهمس, ثم أفقت من نومي.... تتوالي من مصر أخبار مكدرة باعتقال سعد ونفر من حوله, وقامت المظاهرات بمقاطعة التجارة الإنجليزية, إن مصر في مرورها التاريخي تمر علي وقت عصيب يصلب فيه عودها, ولأن الحياة قد دبت فيها فلن تموت.... لي صديق لا أختلف معه: إن شد أرخيت, وإذا أرخي لم أشد.... ما أنا يا الله إذا لم أومن بك..... حدثت نفسي لو شغلت منصبا قضائيا في مصر بعد عودتي وعرض علي أن أحكم في مسألتين لحكمت فيهما لصالح المرأة, رجل طلق امرأة بغير حق أحكم للمرأة بتعويض لأن الرجل أساء استعمال حقه في الطلاق, ورجل تزوج امرأة ثانية علي امرأته الأولي, أحكم لهذه بتعويض لأن الرجل أساء استعمال حقه في الزواج.... لا أحسب المرأة تدخل في عمل إلا وتلونه بلونها الخاص المزيج من رقة في ضعف في تقلب!..
وأقلب أوراق السنهوري الحميمة وأجده القائل: طربت لصوت الشيخ سيد درويش النابغة في أدواره التي أصبحت أدندن بها بين الحجرات وعلي ضفاف السين:( ياللي تحب الورد ليه من فوق شجرته تقطفه, والوردة إيه ذنبها لما تفارق غصنها من يوم ما ماتت أمها دبلت يا ناس مش تنصفوا, والأستيك فوق صدرك يضوي وفي قلبي متعلق ساعة).... وددت لو خدمت القضاء بأن أجعل السلطة القضائية مهيمنة علي السلطتين التشريعية والتنفيذية بعد وضع الضمانات الكافية للقضاء ونزاهته.... كلما تقدمت في السن رأيتني أحوج إلي الأخلاق مني إلي العلم والذكاء..... أحيانا تكون الغربة وطنا, وأحيانا يكون الوطن غربة....أصبحت لا آمن قلبي علي عاطفة إن طال عهده بها...... احذر ممن لا يري فيك إلا مرآة له..... في الأمم القوية يقدر العلماء..... الصراخ علي قدر الألم.... إنني في حاجة إلي من يشاطرني السرور أكثر ممن يشاطرني الحزن.... من كان جميع الناس أصدقاؤه فليس له أصدقاء.... الإسلام قد أتي لا ليبيح الرق ولا ليعدد الزوجات, ولكنه أتي ليقيد من الرق ومن تعدد الزوجات.... اللهم إني قد اجتهدت في قضائي هذا, فإن كنت مخطئا فاغفر لي, وإن كنت مصيبا فقد هديتني.... ما رأيت أنكي من أن يتصدي للدفاع عن الحق رجل قام علي الباطل..... مصر ليست في حاجة لكفيل.... الصيام عن الشريعة يودي بنا إلي فوضي منظمة, وكذلك الصوم عن التشريع..... القانون يعدل بيننا لكننا نظلمه... الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة.... لرجال الثورة: نحن في حاجة إلي إلهامكم وأنتم في حاجة إلي معرفتنا, ونحن في حاجة إلي حركتكم وأنتم في حاجة إلي ثباتنا, ونحن في حاجة إلي وثبتكم وأنتم في حاجة إلي تجربتنا..... هنيئا لحكومتنا المظفرة, إنها دائما علي حق, وهي دائما تكسب الرهان, فلا ينزل بأوامرها في حلبة السباق إلا حصان واحد, وهي تراهن علي هذا الحصان.... مصر قدرها أن تكون قائدة لا تابعة... هناك من التجار من يتعمد إحراق متجره حتي لا ينكشف إفلاسه, فهل تري هذا التاجر هو الذي علم رجال السياسة عندنا بعض أساليب العمل؟!..
ويكتب القانوني الذي ولد بالإسكندرية عام1895, وضرب بالقاهرة في29 مارس1954 يكتب في خواتيم مذكراته: رجال القضاء لا يملكون لأنفسهم رد القضاء.
- وفي مذبحة القضاء الأولي عام1954, اضطر بعض المستشارين الذين شهدوا أمام النيابة عما رأوه بأعينهم من الاعتداء الوحشي علي رئيسهم الدكتور السنهوري بمجلس الدولة ومحاولة قتله.. اضطروا تحت التهديد والإرهاب والتلميح بما لا تحمد عقباه أن يعدلوا عن شهادتهم أمام المحكمة العسكرية!
- وكيل النيابة المحقق تم وضع جميع تليفوناته تحت رقابة التصنت, وكان المخبرون يتتبعون خطواته أثناء فترة التحقيق ويبيتون أمام منزله ويتنكرون في ثياب عمال تليفونات للتأكد من سلامة أجهزة التوصيل الاستخباراتية.
- الشاهد الوحيد الذي تعرف علي من ضرب السنهوري عدل عن أقواله!
- الذين قدموا للمحاكمة حكم عليهم بالسجن سنة واحدة وخرجوا من السجن يوم الحكم فقد كان الحرص أن تكون جلسة المحاكمة بعد القبض عليهم بسنة!
- الصحافة أرغمت علي الصمت.. منعت الرقابة أن تنشر كلمة واحدة.. لا عن المحاكمة.. ولا عن الحكم!
- ثبت من التحقيق أن أحد المتظاهرين قد حمل قضيبا من الحديد وأراد أن يضرب به الدكتور السنهوري علي رأسه وتقدم المستشار محمد عبدالخبير وتلقي الضربة علي ذراعه وبذلك أنقذ السنهوري من الموت المحقق!
- شعر السنهوري بأن بعض المتظاهرين يجذبونه من الخلف وآخرين يدفعونه إلي الأمام إلي الحديقة وتوالي الاعتداء علي رأسي وكنت أدفعه بكلتا يداي ورأيت أحدهم ومعه حديدة طويلة يصوبها إلي عيني..
- أصيب السنهوري بكسر مضاعف في ذراعه وكدمات متعددة في جسمه, ولولا أن سكرتيره رمي بنفسه فوقه لقضي عليه في الحال!
- أكدت السيدة أمينة عثمان شاكر زوجة الدكتور عبدالرزاق السنهوري أنها أبلغت جمال عبدالناصر رفض السنهوري مقابلته!
- ظل السنهوري يردد في كراسة السنين قول النبي الكريم صلي الله عليه وسلم: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني علي الناس


http://www.ahram.org.eg/Archive/1099/2012/11/30/10/186007.aspx

Saturday, June 2, 2018

المرأة ومجلس الدولة



بمناسبة النزاع المعروض على المحكمة الإدارية العليا بشأن المرأة والتعيينات القضائية في مجلس الدولة، أتمنى ان تنال هذه المسألة حقها في النقاش العام والاهم حقها في البحث العلمي الرشيد. حتى الآن لم استطع التوصل إلي دراسة علمية رصينة واحدة على الأقل تجمع بين دفتيها الآراء الفقهية الخاصة بهذا الموضوع مع اسنادها اسناداً علمياً قوياً، لتتمكن المحكمة الإدارية العليا -او المحكمة الدستورية العليا بحسب الأحوال- من الاستعانة بها في بناء عقيدتها. غياب مثل هذه الدراسة يضر القاضي والمتقاضي والرأي العام بصورة جسيمة للغاية. لم يعد النقاش الدائر حول هذه المسألة نقاشاً علمياً مثمراً، وإنما ترديداً للحجج التقليدية من الطرفين، وزاد عليها حجة جديدة هي وجود المادة (١١) من الدستور الحالي. للبت في هذا النزاع المهم، لابد من توفير معلومات ضرورية ولازمة للوصول الي قرار قضائي بشأنها. صحيح أن هناك مادة دستورية تتعلق بالموضوع، لكن الاتكال على هذه المادة وحدها قد يكون كافياً للسماح للمرأة بالتقدم للتعيينات، لكنه غير كاف لاختيارها، وفي حالة اختيارها فهو غير كاف لمساعدتها على النجاح في عملها

مقال قديم: طارق البشري- المادة الثانية من الدستور

حول المادة الثانية من الدستور 

بقلم : المستشار‏:‏ طارق البشري

43913 -العدد 
   ‏السنة 131-    2007    فبراير    28    - ‏10 من صفر 1428 هـ    الأربعاء

هذا الحديث يتوجه في الأساس إلي المواطنين الذين تهمهم مسألة التحقق الأمثل للمساواة بين المواطنين في عيشهم المشترك‏.‏ وإن اختلفت أديانهم‏.‏ وهو ليس موجها في الأساس إلي من يتخذون موقف المعارضة الفكرية لدخول الشأن؟ الديني في شئون الحياة الدنيوية‏,‏ نظما ومعاملات‏.‏

في تصوري ان المادة‏2‏ من الدستور الحالي لازم بصيغتها الحاضرة لتحقق الاسناد الشرعي الاسلامي لمبدأ المساواة التامة بين المسلمين والمسيحيين من المواطنين في تولي الوظائف العامة والمشاركة الكاملة في ممارسة الولايات العامة وفي تولي المناصب ذات الشأن العام‏,‏ في قيادات الأعمال والقضاء والادارة وغير ذلك‏.‏

وتنص المادة‏2‏ من الدستور علي أن‏:‏ ـ الاسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية‏,‏ ومباديء الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع‏.‏

وهذا النص الوارد في صدر احكام الدستور‏,‏ يستفاد منه انه يشكل مرجعية اسلامية لكل المباديء الواردة بالدستور متعلقة بالمساواة وبحقوق المواطنين وغير ذلك‏.‏ وان مبدأ المواطنة يجد دعامته المستقاة من احكام الشرع الاسلامي بموجب المادة‏2‏ هذه‏.‏ وهو يستبعد اي زعم بان مبدأ المساواة بين المواطنين متعارض مع الشرع الاسلامي‏,‏ ولا انه مبدأ لا يمليه الا الفكر الوضعي المنفصل عن الدين‏.‏

ومن ثم يقيم بناء المواطنة بعيدا عن التوترات العقيدية‏.‏ ونحن نريد ان يتداخل بعضنا في بعض‏,‏ لا ان ينفصل بعضنا عن بعض‏,‏ ومما يهييء لهذا التداخل أن تتداخل المفاهيم الطيبة بعضها في بعض‏,‏ مثل الدين والمواطنة‏,‏ لا أن تتصارع ويقف بعضها دون بعض‏.‏

ومن جهة اخري‏,‏ فان فكرة المساواة بين المسلمين وغيرهم من اهل الكتاب في بلادنا‏,‏ كانت متحققة في غالب الفقه الاسلامي بالنسبة للحقوق الخاصة والفردية‏,‏ بموجب ان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم‏,‏ انما كانت تقوم المشكلة في الفقة الاسلامي فيا يتعلق بالولايات العامة‏,‏ اي الحق في تولي مناصب الدولة في الوظائف القيادية ذات القرار‏,‏ سواء في القضاء او الادارة او غيرهما وهذه ما كانت تحتاج الي اجتهاد فقهي يوطيء من اكنافها في اطار المواطنة وما انبعث في مجتمعاتنا الحديثة من تكوينات سياسية انشأتها حركات الاستقلال الوطني والمقاومة الوطنية التي تشارك فيها المسلمون والمسيحيون من أهالي بلادنا‏.‏ فحق للجميع ان يقيموا جماعاتهم السياسية طبقا لهذا المفهوم‏,‏ وان يجتهدوا في البحث عن امكانيات الفقه الاسلامي في هذا الشأن‏,‏ بما يقوم به مستقي من مرجعيته الشرعية ومطبقا علي الواقع المعيش‏.‏

ويقوم الاجتهاد الفقهي في هذا الشأن علي ان مناصب الولاية العامة التي كان الفقه الاسلامي التقليدي يشترط فيمن يتولاها ان يكون مسلما‏,‏ هذه المناصب لم تعد الوظائف التي تتولاها بيد اشخاص ولا افراد كما كان الشأن قديما‏,‏ انما صارت الي هيئات جماعية‏.‏ وذلك بفعل تطور اساليب الادارة وتقسيم العمل وتوزيعه وحلول القرارات الجماعية محل القرارات الفردية‏,‏ فمن يدير اي شأن لم يعد فردا ـ واحدا‏,‏ انما صار هيئة وادارات‏,‏ ومن يحكم في الدعوي ليس قاضيا فردا الا فيما قل شأنه ـ انما صار هيئة من ثلاثة قضاة أو خمسة مثلا‏,‏ ومن يصدر التشريع ليس فردا انما مجلس يتكون من مئات الأفراد يجتمعون ويصوتون‏,‏ ويؤخذ القرار بالأغلبية وينسب إلي الهيئة كلها لا لأشخاص من أيدوه‏..‏ وهكذا‏.‏ وصار الافراد الذين تتكون منهم أية هيئة من هذه الهيئات هم مجرد مشاركين في الرأي‏.‏ والمعروف أن الفقه التقليدي يقبل ان يكون غير المسلمين مشاركين في الرأي‏.‏ وقد صار الجميع كذلك مسلمين وغير مسلمين‏.‏

بهذا النظر تبقي مسألة واحدة من ناحية الفقه الاسلامي‏,‏ وهي هل يكون للهيئة دين كما ان للأفراد دينا‏.‏ وكيف يتأتي للهيئة ان تمارس دينها‏,‏ والحال ان الأفراد يمارسونه بذكر الشهادتين واقامة العبادات والانصياع لاوامر الدين ونواهيه‏.‏ وهنا نجد الابداع الفكري والفقهي الذي قام به الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي الأسبق للديار المصرية‏,‏ عندما اقترح علي لجنة اعداد الدستور المصري لسنة‏1923‏ بان ينص فيه علي ان دين الدولة هو الاسلام‏.‏ واقر بذلك معه أهل جيله كله من الفقهاء بان يكون للهيئة دين‏,‏ وان الدين ليس من خصائص الانسان فقط‏,‏ انما يمكن ان يكون للهيئات التي تنظم امور البشر وتدير شئونهم وتتكون منهم‏.‏

مادام ذلك كذلك‏,‏ فكيف يكون للهيئة دين‏,‏ وهي بوصفها المعنوي لا تصلي ولا تصوم‏...‏ الخ‏,‏ الجواب علي ذلك بان دين الهيئة هو مرجعيتها‏,‏ وهو الاصل المرجوع اليه فيما يصدر عنها من نشاط ومدي التزامها بهذا الاصل بحسبانه موردا لها‏.‏ ومادامت الهيئة مرجعيتها اسلامية فقد صارت الولاية بها اسلامية في الفقه الاسلامي‏,‏ وإن تشارك فيها مسلمون وغير مسلمين‏.‏

بهذه الطريقة تكون المادة‏2‏ من الدستور لازمة بنصها الحالي وبصيغتها هذه‏,‏ لكي يقوم السياق النظري من داخل الفقه الاسلامي بما يحقق المساواة بين المسلمين المسيحيين من المواطنين في المشاركة واتخاذ القرارات في شأن الولايات العامة‏.‏ ومادامت نصوص الدستور مع تأكيدها علي اسلاميةالدولة قد اكدت ايضا علي حقوق المساواة بين المواطنين جميعا‏,‏ فهي تكون اعتمدت من وجوه النظر المختلفة في الفقه الاسلامي‏,‏ تكون اعتمدت وجهة النظر المؤكد علي المساواة بين المواطنين‏,‏ مع الاقرار بانه نظر بسعه الفقه الاسلامي ولا يشوب دين الدولة ومصدريتها التشريعية‏.‏

وبذلك فإن المساس بنص المادة‏2‏ من الدستور هو مما يفقد هذا التسلسل المنطقي النظري معناه‏,‏ وسيضيق كثيرا من القدرة النظرة علي ان يستمد من داخل الفقه الاسلامي الاساس الداعم للمساواة والمشاركة بين المسلمين والمسيحيين في بلادنا‏.‏

*‏ لذلك ارجو من الحريصين علي تأكيد مبدأ المساواة ان ندعمه بكل الامكانات الفكرية‏,‏ وان نقيمه لدي المؤمنين بالاسلام علي اسس تصدر من مرجعيتهم‏.‏ وان المساواة تؤدي الي الاندماج‏,‏ اما من كان يقصد من تعديل هذه المادة اضعاف اسلامية الدولة‏,‏ فإن نص المادة الثانية المذكورة هو كاشف عن واقع استتباب الاسلام لدي المسلمين في مصر وليس منشئا له طبعا‏.‏ ولن يغير التعديل واقعا ولكن يثير حفيظة ويعمق جرحا ويقيم تناقضا علي المدي الطويل‏,‏ تناقضا ليس بين المسلمين والمسيحيين من المواطنين‏,‏ ولكنه تناقض بين مبدأ المرجعية الاسلامية ومبدأ اللادينية السياسية‏.‏

‏(2)‏ من أين ظهرت المادة‏2‏ من الدستور؟‏.‏ إن أصلها الدستوري يرد من المادة‏149‏ من دستور مصر في سنة‏1923‏ الذي استمر معمولا به حتي‏1953‏ وهي المادة الأولي من الباب السادس من الدستور وعنوانه أحكام عامة‏,‏ ونصت علي أن الاسلام دين الدولة‏,‏ واللغة العربية لغتها الرسمية‏.‏ وكانت شكلت لجنة وضع هذا الدستور في ابريل سنة‏1922‏ من ثلاثين عضوا عدا رئيسها حسين رشدي باشا رئيس الوزارة السابق ونائب رئيسها أحمد حشمت باشا وزير المعارف السابق‏,‏ وكان اعضاؤها الثلاثون من النخب السياسية العليا ذات الاتصال الوثيق بالحكم ورجاله‏,‏ وهم إما من رجال الساسة المتصلين بالملك وإما من رجال حزب الأحرار الدستوريين‏,‏ وهم جلهم من ذوي التعليم والثقافة غير التقليدية‏,‏ وليس فيهم من يمكن أن يكون ممثلا لما نسميه اليوم بالتيار السياسي الاسلامي‏,‏ وجلهم ذوو تعليم حديث ونزوع ثقافي آخذ من الفكر الوافد ومدارسه‏,‏ مثل علي ماهر وعبداللطيف المكباتي وعبدالحميد بدوي ومحمد علي علوبة وعبدالعزيز فهمي وإبراهيم الهلباوي‏,‏ وفيها من ذوي الثقافة والتعليم الديني الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي الأسبق‏,‏ والسيد عبدالحميد البكري شيخ الطرق ونقيب الاشراف والشيخ محمد خيرت راضي‏,‏ كما كان فيها من المسيحيين يوسف سابا باشا‏,‏ وقليني فهمي باشا‏,‏ والياس عوض بك‏,‏ وتوفيق دوس بك‏,‏ كما كان عضوا بها الأنبا يؤانس نائب البطريرك وقتها‏,‏ وهو من تولي البطريركية عقب وفاة الأنبا كيرلس الخامس في سنة‏1927‏ واستمر بطريركا بضع عشرة سنة حتي وفاته‏,‏ كما كان فيها يوسف أصلان قطاوي باشا من اليهود‏.‏

وتذكر مضابط أعمال اللجنة أن لجنة وضع المبادئ اقترح عليها الشيخ محمد نجيب في‏19‏ مايو سنة‏1922‏ ان ينص الدستور علي أن دين الدولة الرسمي الاسلام‏,‏ فطرح الرئيس حسين رشدي باشا الاقتراح للتصويت فتقرر بالاجماع قبوله‏..‏ ولما تلا النص في اللجنة العامة في‏14‏ أغسطس‏1922‏ قررت الهيئة الموافقة عليه بالاجماع وتلا نص المادة بجلسة‏3‏ اكتوبر‏1922‏ وافقت الهيئة عليها بالاجماع ومعني ذلك انه بمجرد اقتراح هذا النص ووفق عليه بالاجماع بغير تحفظ ولامناقشة‏,‏ وبغير أن يظهر أنه أثار حرجا أو قلقا أو عنتا‏,‏ وذلك في جو فكري يفوح في فكره عبير الليبرالية‏,‏ والاجماع يشمل هنا أعضاء اللجنة غير المسلمين وهم يبلغون نسبة تشارف‏20%‏ من العدد الكلي‏,‏ وأن من يطالع أعمال هذا الدستور إبان إعداده في داخل اللجنة أو في خارجها علي صفحات الصحف‏,‏ يعرف إلي أي مدي كفل لاعداده جو من حرية التعبير ومناقشة سلطات الملك والشعب والتمثيل النسبي لغير المسلمين وغير ذلك‏,‏ كفل له من ذلك مايكشف عن أن الرضاء الذي قوبل به نص دين الدولة كان يفيد القبول الأوسع والأشمل‏.‏

لقد كان الجميع علي وعي بأنهم بصدد وضع دستور يصوغ التوجه الأساسي للدولة الحديثة بمصر‏,‏ ويحدد المبادئ التي ترسم هويتها الحضارية‏,‏ لذلك انتهوا إلي أن دين الدولة الرسمي الاسلام ولغتها الرسمية اللغة العربية‏,‏ قولا واحدا لم يكن بحاجة إلي جدل‏,‏ وهو تقرير لأمر واقع‏.‏

والحاصل بعد ذلك‏,‏ ان هذاالحكم الدستوري ظل مرعيا ضمن التراث الدستوري الأصيل للدولة المصرية علي مدي القرن العشرين‏,‏ وكل دستور كامل صدر في مصر أورد هذا النص بهذا الحكم‏,‏ دستور‏1930(‏ استمر نحو خمس سنوات ثم عاد دستور‏1923)‏ ودستور‏1956‏ في عهد ثورة‏23‏ يوليو‏1952,‏ ودستور‏1964‏ ودستور‏1971.‏ ولم يشذ من ذلك الا دستور‏1958‏ في عهد وحدة مصر مع سوريا لأنه لم يكن دستورا مكتملا‏,‏ بدليل أن مجلسه النيابي كان بالتعيين من رئيس الجمهورية من بين أعضاء مجلس البرلمان المصري والسوري‏,‏ وقد زال بانفصال سوريا في‏1961.‏

وأن دلالة استمرار النص علي دين الدولة الرسمي الاسلام عبر الدساتير المختلفة‏,‏ دلالة جد مهمة‏,‏ لأن مقارنة هذه الدساتير بعضها ببعض‏,‏ تكشف عن أنه لم يكن ثمة نظام دائم لمصر علي هذا المدي‏,‏ فيما عدا الاقرار بعدد من المسلمات منها أن دين الدولة الرسمي الاسلام‏,‏ كانت هذه الدساتير تتراوح بين النظام الملكي والنظام الجمهوري‏,‏ وتتراوح بين الملكية المستبدة‏(1930)‏ والملكية البرلمانية‏(1923)‏ وتتراوح في النظام الجمهوري بين النظام الرئاسي والنظام القريب من البرلماني‏,‏ وتتراوح بين نظام الحزب الواحد ونظام تعدد الأحزاب‏,‏ وتتراوح بين النظام الاشتراكي القائم علي تقييد الملكية العامة وبين النظام الرأسمالي الذي يطلق حرية الملكية الخاصة‏,‏ وبين‏..‏ وبين الخ ولكن بقيت اللغة عربية والدين إسلاميا‏.‏ وهذا يكشف وجه الثبات لايوجده الدستور ولكنه لايملك إلا أن يعترف به‏,‏ ويكشف عن أنه نص حاكم لغيره وليس محكوما بغيره‏,‏ والمعني هنا يستفاد بالاستقراء العلمي للتجربة التاريخية للأمة ودولتها‏.‏

[‏الجزء الثاني من المقال ينشر غدا‏]‏


43914    ‏السنة 131-    2007    مارس    1 -   ‏11 من صفر 1428 هـ    الخميس


(3)‏ معني أن يكون دين الدولة الرسمي أن تكون مرجعيتها الفكرية اسلامية‏,‏ وأن تكون هذه المرجعية الاسلامية إنما تترجح من داخلها الآراء والاجتهادات لما أورده الدستور من مبادئ أخري تتعلق بالمساواة والحقوق والحريات‏,‏ وذلك كله في إطار ما تسعه المرجعية الشرعية وما تتقبله بأي من وجوه الاجتهاد الفقهي المعتبر مما يلائم أوضاع الزمان والمكان وتغير المصالح العامة للأمة‏.‏

ومعناه أيضا أن يكون النظام العام الذي تشير إليه القوانين مشمولا بهذه المبادئ والقيم وماتتوافق عليه الجماعة‏.‏ وسنلاحظ تاريخيا أن النص علي أن الاسلام هو الدين الرسمي للدولة‏,‏ إنما يتضمن إقرارا بأن تكون مبادئ الشريعة الاسلامية هي مصدر التشريع‏,‏ ومصدرية التشريع تعني مرجعيته وتشير إلي المورد الذي تستقي منها‏,‏ الأحكام‏,‏ لأن دين الهيئة إنما يعني مصدريتها‏,‏ وإلا كان النص لغوا‏.‏

والحاصل أنه لما وضع هذا النص في دستور‏1923,‏ لم يظهر سريعا هذا المعني المستفاد صراحة‏,‏ أو لم يظهر ظهورا كاملا‏,‏ لأن استقلال مصر الذي عبر عنه هذا الدستور كان استقلالا منقوصا‏,‏ استقلالا يصدعه الوجود العسكري البريطاني في مصر وجودا ينعكس في إرادة سياسية أجنبية استعمارية‏,‏ كما كان يصدعه وجود الامتيازات الأجنبية‏.‏ فلم تكن مصر مكتملة السيادة فيما تصدر من تشريعات لاتطبق علي الاجانب إلا بموافقة المحكمة المختلطة‏,‏ ولم تكن مكتملة السيادة القضائية لانحسار سلطة القضاء المصري الوطني عن الاجانب كلهم وعن كل المنازعات التي يكون الاجنبي طرفا فيها‏,‏ حتي لو كانت منازعات ضد المصريين او ضد حكومة مصر‏.‏

لذلك لم يمكن ان ينعكس حكم هذا النص علي الواقع التشريعي سريعا‏,‏ ولم يتحقق الاستقلال التشريعي لمصر الا بعد ابرام اتفاقية منترو في‏1937‏ التي انهت الامتيازات الاجنبية‏,‏ ولم تنته المحاكم المختلطة طبقا لهذه الاتفاقية وتسترد مصر سيادتها القضائية كاملة الا في‏1949.‏ ومع بدء الاستقلال التشريعي بدأت في مصر مرحلة اعداد مجموعات من التشريعات‏,‏ كان اشهرها طبعا القانون المدني‏,‏ الذي استغرق العمل فيه بضع عشرة سنة حتي صدر في‏1948‏ وبدأ تطبيقه مع الغاء المحاكم المختلطة في اكتوبر‏1949.‏ وكان نص مادته الاولي أنه عند غياب النصوص التشريعية يرجع القاضي الي العرف‏,‏ فإن لم يجد لجأ الي مباديء الشريعة الاسلامية‏,‏ فان لم يجد لجأ الي القانون الطبيعي وقواعد العدالة‏.‏ ويتعين الا نفهم خطأ من تقديم القانون المدني للعرف علي الشريعة الاسلامية انه تفضيل له عليها‏,‏ لان من يعرف مصر يعرف انه لا يقوم بها عرف معترف به من الناس ومعترف بالالتزام به بينهم‏,‏ لا يقوم عرف بها ويكون مخالفا لمباديء الشريعة الاسلامية‏.‏

ونحن نلحظ ان من اعاد الفاعلية للكثير من احكام الشريعة في الدراسات المقارنة ومن طالب بها هم مجموعات من الفقهاء المحدثين وعلماء القانون‏,‏ وعلي رأسهم الدكتور عبدالرزاق السنهوري‏,‏ ذلك لانه ليس اجدر من هؤلاء معرفة بعمق الفقه الاسلامي ومبادئه القانونية وقدرته بمناهجه التفسيرية علي التجدد‏.‏ وهؤلاء في غالبهم هم من خريجي كليات الحقوق التي لم تكن لها صلة عضوية بالأزهر الشريف ولم يكن بها من الازهريين الا الأعلام الذي يدرسون الفقه الاسلامي‏,‏ بحسبانه مادة واحدة في كل سنة‏,‏ والغالب من الاساتذة هم ممن درسوا الفقه الفرنسي بمصر وفرنسا‏.‏ فلم يكن من هؤلاء من يسمي الآن بالتيار الاسلامي او التيار السياسي الاسلامي‏.‏

وانا اذكر ان من هؤلاء الاساتذة الذين درسنا علي ايديهم‏,‏ الدكتور شفيق شحاته وهو فقيه قبطي مصري كانت دراساته غاية في العمق‏,‏ وكانت كتاباته في القانون المدني شديدة التأثر بالفقه الاسلامي وبعد سنوات عرفنا ان رسالته للدكتوراة كانت عن نظرية الالتزامات في القانون المدني علي المذهب الحنفي‏,‏ وكان الاستاذ المشرف عليه هو فضيلة الشيخ أحمد ابراهيم‏.‏

فالشريعة الاسلامية فيها جانب ديني عند المسلم‏,‏ وهي عند المسيحي فقه واحكام ووجهات نظر‏.‏ ومنذ الثلاثينات من القرن العشرين اعترفت المجامع الفقهية الدولية بها‏,‏ باعتبارها من المدارس في الفقه العالمي‏.‏

(4)‏ إن العرض السابق يظهر بجلاء ان المادة‏2‏ من دستور‏1971‏ لم يضعها الرئيس السادات من عنده ليكسب شعبية زائفة‏.‏ ولا كانت مجرد نص مصطنع ليدغدغ به عواطف الجهلة‏.‏ والنص موجود من‏1923‏ بإجماع واضعيه وباق ايضا باستقراء تاريخي كامل‏,‏ وهو أثبت من غيره اطلاقا‏.‏ وهو ليس نصا يقوم به حزب او جماعة سياسية من اجل الانتشار ودغدغة العواطف‏,‏ ودين الدولة الاسلام يقتضي بذاته الجزم بمصدرية الشريعة الاسلامية للتشريع والا كان النص لغوا‏,‏ وليس يصح في الاذهان ان يكون أثبت نص في الدستور هو ما يوصف بكونه لغوا‏.‏ ولايصح في الأذهان قط ان يقال ان المجتمع المصري عرف الشريعة الاسلامية مصدرا للتشريع منذ اعتلاء السادات اريكة حكم مصر في‏1971‏ وانه عرف الشريعة بوصفها المصدر الرئيسي للتشريع منذ شهر مايو سنة‏1981‏ بالتعديل الدستوري الذي ادخله السادات‏.‏ والسؤال العجيب هو‏:‏ هل صارت مصر إسلامية بقرار من الرئيس السادات ولم تكن كذلك قبلها؟

أنا لا أجحد حقيقة ان الرئيس السادات إنما اراد بهذا النص ان يؤلف قلوب المصريين ليتمكن من تعديل الدستور بما يتيح له الترشيح للرئاسة لاكثر من مدتين‏,‏ ولكن هذا لا يعني ان مصدرية الشريعة الاسلامية كانت امرا غير وارد ولا مهم‏.‏ بل ان محاولته استغلال هذا الهدف الشعبي العام لتحقيق مصلحة ذاتية له في امر آخر‏,‏ انما هو اقرار بأهمية هذا الهدف العام وإلا لما كان سانحا له ان يؤلف به القلوب‏.‏

ونحن نعرف في مناهج تحليل الاحداث التاريخية‏,‏ ان الحدث التاريخي‏,‏ او الحدث العام الذي يشمل او يؤثر في جماعة كبيرة‏,‏ يندر ان يكون له سبب وحيد‏,‏ انما هي مجموعة من الاسباب تتجمع لاحداثه بأثره البعيد وفي وقت محدد بعينه وفي ومكان معين‏.‏ هناك ما يمكن ان نسميه وعاء السببية لهذا الحدث أو مجموعة الاسباب المحدثة له‏.‏ ونقول ايضا ان امرا حدث عندما توافرت أسبابه وانتفت موانعه‏,‏ لان السبب عندما يتوافر يمكن ان يبطله مانع معاصر له أو لا حق عليه‏.‏ وتتراوح الاسباب بين الجوهري والثانوي‏,‏ وبين العام والخاص‏,‏ وكل ذلك يؤثر في تشكيل الحدث وفي أنواع الآثار التي يرتبها‏.‏

فمثلا‏,‏ اشتعال الحرب العالمية الثانية في سبتمبر‏1939,‏ وهي الحرب التي استمرت علي نطاق العالم لمدة ست سنوات وحطمت مدنا ودولا‏,‏ وقتلت عددا من البشر يتراوح بين‏32‏ مليون و‏60‏ مليون شخص‏,‏ حسب اختلاف التقديرات‏.‏ هذه الحرب يمكن ان يقال ان سببها هو احتلال هتلر زعيم المانيا النازية وقتها لميناء دانزج التابع لبولندا رغبة في التوسع والمجد الذاتي للزعيم الدكتاتور‏,‏ ويمكن ان يقال ان سببها أن هذا الميناء متنازع عليه تاريخيا بين المانيا وبولندا‏,‏ ويمكن ان يقال ان المانيا كانت تثأر لنفسها مما فرض عليها من هزيمة في الحرب العالمية الاولي‏(1914‏ ـ‏1918),‏ ويمكن ان يقال انه صراع عالمي بين الدول الاستعمارية الكبري حول اعادة تقسيم العالم الي مناطق نفوذ بينهم حسب قوتهم المتغيرة‏.‏ وكل هذه الأسباب صحيحة‏,‏ وإن تجمعها بين سبب خاص وسبب عام هو ما ادي إلي حدوث الحرب في وقت معين ومكان محدد وشمولها للعالم واستمرارها سنوات‏.‏

ومثلا النحاس باشا رئيس الوزاره الوفدية بمصر الغي معاهدة‏1936‏ بين مصر وبريطانيا‏,‏ وذلك في أكتوبر سنة‏1951,‏ وكان ذلك استجابة لمطلب شعبي وطني شامل‏,‏ كما كان استجابة لتراث الوفد الوطني وقتها‏,‏ كما كان من شأنه أن يقوي وزارة الوفد ضد مؤامرات القصر الملكي ويضعف المعارضة الشعبيه ضدها‏..‏ وكل هذه الاسباب صحيحة‏,‏ وإن تجمعها هو ما قام به الحدث من وزارة معينه في تاريخ محدد‏,‏ وامتد اثره من بعد فيما لا وجه لتكراره الآن‏.‏

وبالمثل فإن نص المادة‏2‏ من دستور‏1971,‏ هو اولا سار علي نهج سوابقه فيما يتعلق بأن دين الدولة الرسمي الاسلام‏,‏ ونص علي مصدرية الشريعة الاسلامية‏,‏ وهو حكم لا يزيد عن كونه تطبيقا لأن دين الدولة الاسلام‏,‏ لأن الدين هو الموجعية أو المصدرية‏,‏ والسادات اراد أن يؤلف قلوب المصريين لنفسه بأن يستجيب لمطلب لديهم له هذه الاهمية‏.‏

(5)‏ نقطة اخيره اختتم بها حديثي‏,‏ فنحن عندما نفسر اي قانون ونستقريء احكامه‏,‏ لا ننظر الي كل نص فيه علي حدة‏,‏ نحن نتفهم كل حكم بما يعنيه ثم نضع احكام القانون كلها جنبا إلي جنب‏,‏ لأن كل نص انما يحد من اطلاق غيره‏,‏ ولأن المعني المستفاد من اي نص انما يتداخل في المعاني المستفادة من النصوص الأخري‏,‏ ولأن السياق هو الذي يضبط المعني ويظهر وجه التفسير‏,‏ واللفظ الواحد يتكشف معناه من موضعه في الجملة‏,‏ والحكم الواحد تتكشف حدود معناه وضوابطه من موضعه من الاحكام الاخري‏,‏ وهذا ما يطلق عليه بأن النصوص يفسر بعضها بعضا‏.‏

وطبقا لهذا المفاد فإن وجود نص المادة الثانية من الدستور بين نصوص هذا الدستور وبين الاحكام الاخري المتعلقة بالمساواة بين المواطنين وإن اختلفت اديانهم او مذاهبهم‏,‏ انما يجعل حكم الدستور دائرا في تفسير كل نص ما يفضي به النص الآخر‏,‏ ومن ثم يكون ملزما ـ من وجهة النظر الدستورية في تفسير مصدرية الشريعة الاسلامية للقوانين ـ ان يكون ما هو دستوري من هذه المصدرية ما يتجانس مع مباديء الدستور الاخري واحكامه الاخري‏,‏ وذلك في نطاق ما تسعه مباديء الشريعة الاسلامية من وجهات نظر‏.‏

ان الفقه الاسلامي يقر تعددا في الآراء وتنوعا في الحلول في إطار ما تسعه نصوص الاحكام‏,‏ وفي هذا التعدد والتنوع يعرف الفقهاء أن صاحب الولاية يمكن ان يرجح رأيا من هذه الآراء علي رأي آخر‏,‏ فيصير هو الرأي الفقهي الملزم للجماعة‏.‏ ونحن عندما نحيط الدولة رسميا بدين الاسلام ونقرر مصدرية الشريعة في ذات الاحكام الدستورية التي تقر بالمواطنة والمساواة في الحقوق الواجبات العامه والخاصة‏,‏ نحن بذلك نكون قد أقررنا ــ بما للدستور من تنظيم الولايات العامة ــ بأننا ملتزمون دستوريا بتبني الرأي الفقهي الذي تسعه احكام الشرع الاسلامي مما يدعم ويؤكد مبدأ المساواة بين المواطنين وغيره من المباديء الواردة بالدستور مما تسعه مباديء الشريعة‏.‏

أما إذا اسقطنا هذا الحكم الوارد بالمادة‏2‏ من الدستور‏,‏ فإن الدستور يفقد هذه الصلة الوثيقة بين المباديء التي يحرص علي تثبتها لدي الجماعة السياسية وبين مباديء الشريعة الاسلامية فيما تسعه من احوال ومباديء‏.‏ ومن ثم لا يقوم هذا الترجيح الذي يملكه ولي الأمر في الجماعة بين ما تحتمله نصوص الاحكام الشرعية واحكامها من تباين وتنوع واختلاف‏.‏

والاسلام‏,‏ كما نعرف جميعا‏,‏ أيا كانت درجة ايماننا به‏,‏ هو قديم لم يأت به نص دستوري‏,‏ وهو باق لا يلغيه تجاهل دستوري‏,‏ ولذلك فإن التعامل معه خير للدولة بمؤسساتها وللجماعة بفصائلها من التجاهل له‏.‏ والحمد لله

Friday, June 1, 2018

الانفاذ الخاص للقانون مهم لمصر


قوة القانون جزء من أصل هو قوة المؤمنين والمدافعين عن القانون وسيادته، وهو ما يتصل بمسألة جوهرية نحن في أشد الحاجة اليها في مصر حاليا وهي توزيع عبء انفاذ القانون بين الشعب وحكومته. للشعب دور مهم للغاية في انفاذ القانون، وقد تناول الدكتور احمد حشيش في مؤلفه الأخير "اقتصاديات التنظيم القضائي المصري" جانب مهم للغاية من هذا الدور وهو رقابة الشعب على قضائه، وهو الدور الذي يكاد ان ينقرض في مصر. ومع ذلك، هناك أمثلة لنموذج آخر يقوم فيه الشعب بدور في انفاذ القانون، منه على سبيل المثال الحالات التي تلجأ فيه الحكومة الي المجتمع الأهلي (واقصد به غير الحكومي) ومنه مجتمع الأعمال لانفاذ قوانين او القيام بدور ما يسهل انفاذ القوانين. فإلزام المحال العامة مثلاً بوضع صناديق قمامة امامها او وضع كاميرات مراقبة في خارجها وداخلها يعد نوعاً من المساهمة في عبء انفاذ القانون. نعم هو نموذج بسيط، لكن نتمنى ان يتطور ليصبح مثل نظيره في الولايات المتحدة التي يلعب فيها المجتمع غير الحكومي دور مهم للغاية في انفاذ قوانين المنافسة ومنع الاحتكار والتي ايضا يمكن انفاذ القانون من خلال المحكمة العليا عن طريق الدعوى الأصلية التي ترفع الي المحكمة مباشرة خلافاً للوضع الحالي في مصر والذي يتطلب ان تحيل محكمة اخرى الي المحكمة الدستورية العليا او ان ترى هذه المحكمة الأخري جدية الدفع الذي يدفعه احد اطراف الدعوى وتسمح له برفع الدعوى الدستورية حينها. أهمية هذا النموذج الأخير وضرورة تعديله ظهرت بوضوح بمناسبة الدعوى المنظورة امام المحكمة الادارية العليا (وهي اعلى محاكم مجلس الدولة) الخاصة بتعيين المرأة قاضية في مجلس الدولة، والتي تم فيها الدفع بعدم دستورية نصوص معينة، مما يجوز معه القول بأن مجلس الدولة هو الخصم والحكم، فماذا يحدث لو ان قامت محكمة ما برفض هذا الدفع المبدى أمامها، وقطعت الطريق امام صاحب الدعوى للجوء الي المحكمة الدستورية العليا، مثلما حدث في قضية احتكار الاسمنت عام ٢٠٠٩ بخصوص ما اثير عن المسئولية الجنائية للشخص المعنوي

الانفاذ الخاص للقانون
Private Enforcement of Law

مقال ذو صلة
William M. Landes, Richard A. Posner
NBER Working Paper No. 62 
Issued in November 1974

An important question in the economic study of enforcement is the appropriate, and the actual, division of responsibilities between public and private enforcers. This question has been brought into sharp focus recently by an article in which Gary Becker and George Stigler advocate the privatization of law enforcement. In the present article, we explore the idea that the area in which private enforcement is in fact clearly preferable to public enforcement on efficiency grounds is more restricted than Becker and Stigler believe; perhaps the existing division of enforcement between the public and private sectors approximates the optimal division. Part I develops an economic model of competitive, profit-maximizing private enforcement. The model predicts the level of enforcement and the number of offenses that would occur in a world of exclusively private enforcement. Part II refines the model to account for the presence of monopoly in the private enforcement industry, different assignments of property rights in legal claims, the effect of taxing private enforcers, nonmonetary penalties, and legal errors - elements ignored in the initial development of the model in Part I. Part III contrasts our model with other economic approaches to the enforcement question. Part IV presents a number of positive implications of the model, relating to the choice between public and private enforcement of criminal versus civil laws, the assignment of exclusive rights to the victims of offenses, the budgets of public agencies, the discretionary nonenforcement of the law, and the legal treatment of blackmail and bribery. The positive implications of the model appear to be consistent with observations of the real world, although the findings in Part IV must be regarded as highly tentative. An appendix discusses the economics of rewards - an important method of compensating private enforcers.