Monday, June 12, 2017

تيران والمباركيين الجدد




يُعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال. مسألة تيران وصنافير مسألة ليست عويصة. لكن شابها ازمة ثقة وازمة قانون وازمة معلومات وازمة ادارة وازمة هوية وازمة تحرش رسمي بالمعارضة وبالسلطة القضائية

لو قمنا بتحليل الموضوع تحليل تقليدي، نجد ان هناك مسائل تاريخ وقانون وسياسة
التاريخ يستدعي بحث دقيق لمعرفة تاريخ الجزيرتين والمستندات الرسمية الموثوقة التي يمكن الاعتماد عليها
والقانون يستدعي ان يكون هناك تقييم لروايتين في ظل مستندات كافية ووافية يقدمها طرفي الدعوى
والسياسة تستدعي ان تلتزم الحكومة شفافية كاملة ونزاهة وافصاح كامل عن اي تقصير سابق او حالي، كيلا تختلط اوراق المعارضة السياسية بأورق التقاضي القانوني

ما حدث فعلا هو خلط الاوراق، كالتالي
  لم يتضح الاصل التاريخي للموضوع وتأكد للجميع ان لا حكومة مصر ولا السعودية لديهما مستندات قاطعة او محاضر اجتماعات لما جرى
ومن الناحية القانونية، صدر الحكم في دعوى ليست السعودية طرفا فيها والسلطة التنفيذية المصرية طرف لا يملك مستند قاطع او حتى رواية واضحة لما حدث، ولا تحليل لمناورات مصرية في الامم المتحدة في الخمسينات
ومن الناحية السياسية، زاد ضغط رأي العام بسبب الطريقة التي تم توقيع الاتفاقية فيها، وظروف الزيارة وقتها، وما يمكن اعتباره انه تسرع لغرض غير واضح

لو قمنا بتبسيط الموضوع تبسيطاً غير مخل، نجد التالي
من الناحية التاريخية، ما يجري الآن هو اختبار لدولة المؤسسات(!)،  وحاجة شديدة الي الشفافية لتوضيح الذاكرة المؤسسية لبعض اجهزة الامن القومي، لإجابة سؤال بسيط: هل عمل اللجنة الفنية التي صدر قرار مبارك سنة ١٩٩٠ على اساسها عمل مهني محترف ام انه عمل يشوبه ما ساد في عهد مبارك من تضليل وتحريف ومجاملة على حساب الشعب صاحب المحل

ومن الناحية القانونية، ما يجري الآن هو اختبار لقدرة الجهاز القضائي المصري على التصرف بحكمة ومرونة ومثابرة لإستجلاء اوجه الحقيقة، وبحاجة الي اجتهاد قضائي غير مسبوق من المحكمة الدستورية العليا، كي تتناول الموضوع من زوايا عدة، بعد ان وصل اليها الامر بعد ان تعقد وتشابك واختلط فيه التقاضي القانوني بالمعارضة السياسية، ومحاولات حكومية لطمس الحقائق او الالتفاف حولها، ولعلها فرصة للتطرق لمسائل هامة "موضوعية" لا مفر من التعرض لها لإحقاق الحق

ومن الناحية السياسية، ما يجري الآن هو اختبار لقدرة ادارة الرئيس السيسي على وضع حد لممارسات اقل ما يقال عنها انها فجر في الخصومة، وتنكيل بالمعارضين السياسيين، وتحرش فج بالجهاز القضائي ومحاولة تحويله الي بصمجي، مع وجود شبهة قوية في محاولة دفن لأخطاء جوهرية وقعت في عهد مبارك او حتى قبل ذلك. لو أن ادارة الرئيس السيسي تريد احقاق الحق وكسب احترام المعارضة التي تختلف معها في الرأي، فلابد ان تتخلى عن بعض المحسوبين على السيسي وهم في الحقيقة إرث من عهد مبارك، وتتخلى بالتالي عن التفكير والتصرف بما يعكس الانتقام من ٢٥ يناير او على الاقل يعكس منهج (احنا ادرى بمصلحة البلد). مرة اخرى، لو ان السيسي صادق في اعطاء الحق لأصحابه، فلعله يرى ان ما جرى فرصة لحوار وتنسيق صادق بين اذرع الحكومة التنفيذية والتشريعية والقضائية، ولا حرج من اعادة تسويق الموضوع -في ضوء حكم للدستورية يسمح بذلك- في اطار من الشفافية والمهنية والتنسيق مع الحكومة السعودية لتكون ممثلة في اي دعوى قضائية ذات صلة. بإختصار، دور الرئيس السيسي هو بناء الثقة في اذرع الحكومة الثلاثة، واحترام الرأي العام والمعارضة، وعدم الانسياق وراء "المباركيين من مدرسة مبارك في العبث والعك" الموجودين والمحسوبين على السيسي، وتحمل مخاوف وضغوط الصديق السعودي

كلمة اخيرة. لو صدق فعلا ان السعودية اعطتنا الجزيرتين في وقت الحرب، (انظر اشارة تقرير هيئة مفوضي الادارية العليا الي اجتماع ١٥ فبراير ١٩٥٤رقم ٦٥٩ في الامم المتحدة - بند ١٣٣) وانها كالامانة، فإنه من الصعب عدم رد الأمانة في وقت السلم- ان كان هذا فعلا هو وقت السلم. ردوا الامانات الي اهلها هو المبدأ، ولكن يردها الشعب الذي حماها، وليس المباركيين الذين خربوها وقعدوا على تلها. اما لو ثبت غير ذلك، فهو اختبار للصديق السعودي في وقت الضيق. والله اعلم

No comments: