Wednesday, March 2, 2016

لا تنمية بلا سيادة قانون


مؤتمر استراتيجية التنمية في مصر كشف لنا عن ايجابيات وسلبيات. من الايجابيات مثلا الاعتراف بخطأ السياسة المصرفية السابقة التي تساهلت مع اقراض اكبر٥٠  شركة ومجموعة اقتصادية في مصر الي درجة ان حصلت على ٣٠٪ من القروض. وامر ايجابي ايضا ان اعلن الاستاذ طارق عامر محافظ البنك المركزي عن التوجه نحو استراتيجية جديدة (وليست بديلة) وهي تخصيص ٢٠٠ مليار جنيه لاقراض المشاريع الصغيرة


اما السلبيات التي كشف عنها المؤتمر فهي في غاية الاهمية خاصة واننا في مرحلة تستدعي بناء توافق حول اي استراتيجية للتنمية والاهم من بناء التوافق هو بناء دعم شعبي لهذه الاستراتيجية. اول السلبيات ان المؤتمر لم يتطرق الي معضلة سيادة القانون إلا بإشارة مختصرة من الرئيس الى اداء وزارة الداخلية وإلي تجنب تعميم أخطاء افراد ونسبتها إلي الشرطة ككل. لم يكن امرا موفقا الا تكون سيادة القانون ركنا اساسيا ولازما عند الحديث عن استراتيجية التنمية. لا تنمية عامة بدون قانون يسود على الجميع. ولا تنمية اقتصادية حقيقة وعادلة في توزيع ثمارها على الجميع ما لم تكن مصحوبة بتنمية قانونية حقيقة وعادلة في حماية حقوق الجميع سواء افراد او مشروعات صغيرة او متناهية الصغر بل وايضا الشركات الكبيرة والمتوسطة. خلال حملته الانتخابية، كان هناك مقابلة بين السيسي واحد الإقتصاديين المهتمين بشئون التنمية وهو هرناندو دي سوتو. في مؤلفه سر رأس المال، والذي تناول فيه مصر ضمن دول اخري فيها معوقات جسيمة للتنمية، ذكر منها مثلا اهمية التسجيل القانوني للحقوق واهمية الدور الذي تلعبه بعض الاجهزة الحكومية في هذا الصدد مثل الشهر العقاري. لعل من المناسب ان تخرج علينا وزارة العدل بمؤتمر تعرض فيه رؤيتها وإهتمامها بفرع مهم من فروع القانون هي قانون التنمية

ثاني هذه السلبيات هو إشارة السيسي إلي بعض ما يشغل الرأي العام إشارة مقتضبة دون تناول تفصيلها. خلال حديثه عن انجازات حكومته بشأن الاسكان اشار الي احد المشروعات المهمة والتي جرى خلال افتتاحها استخدام سجاد احمر -وهو ما ذكره السيسي- على مساحات كبيرة وبصورة ملفتة الي حد سير السيارات على هذا السجاد. الأمر استفز الكثيرين خاصة مع الحالة الإقتصادية التي نشهدها. كان واجبا على السيسي الا يشير إلي الأمر دون التعليق عليه بما يستحق


ثالث هذه السلبيات يرتبط في الحقيقة بثانيها وهو طلب السيسي من افراد الشعب المساهمة في صندوق تحيا بمصر لكنه لم يقدم إجابات لأسئلة تشغل الرأي العام الآن. البعض سألني مباشرة في اليوم التالي للمؤتمر: هل الحكومة تتقشف فعلا او قولا فقط؟ هل مساهمة افراد الشعب تأتي اولا ام بعد مساهمة الشركات الكبير منها والصغير؟ هل مساهمة افراد الشعب ستؤول في نهاية المطاف الي مرتبات وبدلات لطوائف مهنية معينة في الدولة وما حقيقة هذه المرتبات والبدلات؟ لم أملك ردا

اعتقادي الشخصي ان الحكومة بحاجة إلي طرق أكثر فاعلية ومصداقية واكثر إتصالا بإيجابيات المؤتمر. ما حدث لفترة طويلة من تركز الإقراض المصرفي في قلة من الشركات أدى إلي امرين اولهما جيد والثاني سئ. بعض الشركات قويت وبدأت تنافس عالميا وبعضها استقوت وبدأت تضغط داخليا إما على المستهلك او على شركات منافسة اصغر منها. احقاقا للحق، ربما هناك شركات تجمع بين الامرين الجيد والسئ. ما يجب على الحكومة فعله هو ضبط الممارسات التجارية ضبطا قانونيا -وليس سياسيا- بدون افراط او تفريط. الضبط القانوني لممارسات المجموعات الإقتصادية ايا كان حجمها هو امر مهم اقتصاديا لعلاج اي اختلالات او تشوهات حدثت في الماضي، كما أنه امر مجدي ماليا، وهناك ابحاث علمية قيّمة حول تطبيقات ذلك في السوق الامريكية. تحفيز وتفعيل دور الاجهزة الحكومية المختصة برقابة وضبط الممارسات الإقتصادية بحاجة إلي قرار سياسي شجاع وعقلية فنية حكيمة تضبط السوق بتوازن معقول.

No comments: