Friday, March 18, 2016

التكنولوجيا في خدمة الشعب: اوبر

جيد ان اعطت الحكومة مؤشرات اتجاهها نحو تقنين اوضاع خدمات اوبر وغيرها. اوبر شركة امريكية صممت تطبيقا هاتفيا يتيح للمشتركين خدمات انتقال بالاجر يقدمها مشتركين آخرين. ما توفره اوبر اغضب قطاع كبير ممن يقوم بتوفير هذه الخدمات بالطرق التقليدية (سيارات الاجرة)، ولا يقتصر الامر على مصر، بل هناك غضب مماثل ادى لتظاهرات في لندن وباريس، وربما اماكن اخرى. في رأي المتواضع، تقنين اوضاع خدمات اوبر يجب ان يراعي ثلاثة نقاط رئيسية تتعلق بالاقتصاد والاستثمار والقانون.

في الاقتصاد، الحركة بركة، بمعنى ان من المهم ان يكون هناك نشاط وحراك اقتصادي وعمليات انتاج وبيع وشراء، وربما هو ما عبر عنه آدم سميث بقوله "دعه يعمل دعه يمر". هذا النشاط افضل من الخمول والسكون، حتى ولو كان النشاط احيانا نوع من التسخين في حالات الجري في المحل او "محلك سر". ولنتذكر الرئيس الامريكي السابق بوش عندما كان يحث شعبه على النزول للاسواق والبيع والشراء مباشرة عقب احداث صعبه مرت بها الدولة، لان استمرار دوران عجلة الاقتصاد او الانتاج مهم. ويحضر الي ذهني مثال مجازي اقتبسه من الكاتب مشعل السديري لتوضيح الصورة

فيقال: إن هناك بلدة صغيرة تبدو شبه مهجورة، وهي غارقة بالديون وتمر بأزمة اقتصادية، وفجأة يأتي سائح غني لتلك البلدة، ويدخل الفندق، ويضع (100) دولار على (كاونتر) الاستقبال، ويذهب لتفقد الغرف في الطابق العلوي ليختار أفضلها. وفي هذه الأثناء، يستغل موظف الاستقبال الفرصة، ويأخذ المائة دولار ويذهب مسرعا للجزار ليدفع دينه، والجزار بدوره يفرح بهذه الدولارات، ويسرع بها لتاجر الماشية ليدفع باقي مستحقاته عليه، تاجر الماشية يأخذ المائة ويذهب إلى تاجر العلف لتسديد دينه، تاجر العلف يذهب لسائق الشاحنة الذي أحضر العلف من بلدة بعيدة لتسديد ما عليه من مستحقات متأخرة، سائق الشاحنة يركض مسرعا لفندق البلدة، ليسدد ما عليه من إيجار متأخر لغرفة كان قد استأجرها عندهم، ويعطي موظف الاستقبال المبلغ، وأخذها موظف الاستقبال ووضعها مرة أخرى مكانها على (الكاونتر) قبل نزول السائح من الطابق العلوي، ينزل السائح الذي لم يعجبه مستوى الغرف، ويأخذ المائة دولار التي تخصه ويرحل عن البلده – انتهى. والنتيجة أن لا أحد من سكان تلك البلدة كسب أي شيء، إلا أنهم سددوا جميعا ديونهم

وفي الاستثمار، من المهم تعظيم المنفعة من اي شئ، سواء كان اصل من الاصول البشرية او المادية او المعنوية، وسواء كان نشاط او اي عمل انساني. الفكرة التي قامت عليها خدمات اوبر هي بمثابة تعظيم المنفعة من اصول موجودة بالفعل ولها منفعة اصلا لكن اوبر اضاف الي هذه المنفعة منافع اخرى، اي انه ببساطه عظّم المنفعة من هذه الاصول: شخص لديه وقت اضافي وسيارة مناسبة وتليفون ذكي فيه تطبيق مجاني هو اوبر (وربما حساب بنكي او بدونه).  كل هذه الاصول كانت " كمّ مهمل" او "بئر معطلة". تعظيم المنفعة من هذه الاصول هو امر صحي في مجمله للاقتصاد المصري.

في القانون، من المهم ان ندرك ان القانون في خدمة الشعب وليس العكس. والممارسات التجارية تسبق القانون دائما بخطوة، بل احيانا خطوات، وعلى القانون ان يثابر ليلحق بها، وان لم يفعل اختلت الامور واتسعت الفجوة بين الواقع والقانون. بعض الممارسات التجارية فاسدة، وعلى القانون ان يتصدى لها بالجزاء المناسب. وبعض الممارسات التجارية نافعة، وعلى القانون ان يحميها ويتبناها ويشجعها، ولعل هذا يفسر اهمية الدور الذي تلعبه اعراف وعادات التجار في تطوير القانون التجاري، ولعل هذا ما يفسر ايضا ان قانون التجارة المصري نص في مادته الاولى ان هذا القانون يسري الا اذا تم الاتفاق على خلافه. معنى هذا ان القانون ترك مساحة كبيرة للتجار يتحركون فيها بحريتهم.

اتمنى ان يكون تقنين اوضاع اوبر تطبيقا لفكر اقتصادي قوامه " دعه يعمل"، اي يدع المواطن يعظم منفعته بإستثمار ما يملكه. واتمنى ان يكون التقنين قوامه "دعه يمر" اي يدع المواطن يجني ثمار استثماره بطريقة مُشجعة، فنشاطه ليس نشاطا احترافيا تجاريا بحتا ولا هو نشاطا مدنيا بحتا يقوم به مرة او بضع مرات. ونظرا لأنه نشاطا مختلطا، ينبغي ان يتبنى تقنين الاوضاع معاملة ضريبية خاصة. 

واعتقد ان تقنين اوضاع اوبر هو فرصة ذهبية لتشجيع روح الاستثمار بين المواطنين، ومدخلا مناسبا لتشجيع المشروعات متناهية الصغر. اصطياد سائقي الاوبر في الشوارع هي احسن وسيلة لقتل روح الاستثمار التي تحتاجها مصر لانها مسألة حياة او موت. وائل الابراشي في برنامجه العاشرة مساء استقبل عدة مداخلات هاتفية في حلقته عن اوبر، بعضها صعب ان اتفق معه وبعضها يدرك اهمية الامر. 

اختلف مع القائل ان اوبر بتخدم اقتصاد امريكا وليس اقتصاد مصر، او ان "التطبيق (الهاتفي) اصلا لاغي البلد" او السائل "فيه محل مكتوب عليه اوبر؟" او "الناس حتقول ايه عن بنت نازلة من عربية ملاكي باليل؟" او "لو رحت اعمل محضر لسائق خدمة اوبر اعمل محضر بإيه؟".

الحقيقة ان القانون في خدمة البلد وشعبها وليس العكس. وفي حالة اوبر، قامت التكنولوجيا بما لم تقم به الدولة، ويكفي إلقاء نظرة على المستندات المطلوبة لمن يريد الاشتراك في تقديم الخدمة وعلى نظام تحديد قيمة الاجرة بالمسافة والوقت وعلى نظام الدفع الاكتروني وعلى نظام تقييم مقدم ومستلم الخدمة لبعضهما البعض، وعلى نظام الجزاءات في حالة الخطأ او التجاوز. التكنولوجيا اتاحت لتطبيق هاتفي القيام بدور لا تقوم به الدولة واجهزتها.  

اتفق تماما مع عبارة اللواء حسن البرديس في مداخلته مع الابراشي " لا احد يقدر ان يوقف الزمن او التقدم. التكنولوجيا تدخل في كل شئ الآن. هي خدمة جيدة وآمنة ومحترمة ونظيفة وذات كفاءة."

كلمة اخيرة. المنافسة هي افضل شئ لاقتصاد صحي. القانون (والامن احد اهدافه) يخدم الناس (واقتصادهم وحياتهم) وليس العكس. والله اعلم

Monday, March 14, 2016

ليس كل ما يلمع ذهبا: الزند

الحمد لله . حسناً فعل الرئيس بقراره بإعفاء الزند من منصبه كوزير لعدل بعد تصريحه المسيئ للرسول -ص- ورغم إعتذار الزند عن هذا التصريح. قرار الإعفاء جاء بعد ان رفض الزند الإستقالة. من المهم التوقف كثيرا امام كلمات الزند في حواره مع حمدي رزق، والاهتمام الإعلامي بكلمات الزند عن الرسول -ص- طغت على ما عداها من فهم صادم لما نص عليه الدستور. لكن الأكثر فداحة من تصريح الزند في الحوار هو مسلكه -كرجل دولة- عقب هذا الحوار. ما بين رفض الزند مغادرة المنصب طوعا وإجباره على مغادرته جبرا مواقف عديدة لها دلائل جسيمة، منها موقف المنتدبين للوزارة وموقف نادي القضاة ومواقف افراد كثر. أبى الزند أن يغادر في هدوء لأن الإعتراف بالحق فضيلة لا يتحلى بها الكثيرون. اتمنى ان نتعلم جميعا الدرس عند اختيار رجال الدولة، فليس كل ما يلمع ... رجلاً للدولة. والله اعلم


Sunday, March 6, 2016

قناة السويس: المنطقة وقانونها

اختيار الدكتور احمد درويش لقيادة منطقة قناة السويس الاقتصادية الخاصة من القرارت التي يجب الاحتفاء بها. الدكتور درويش تولى وزارة التنمية الادارية في حكومة الدكتور احمد نظيف نهاية عهد مبارك، وبذل فيها جهدا محمودا. قام الدكتور درويش بإلقاء محاضرة عن الاطار التنظيمي و القانوني لمنطقة قناة السويس الاقتصادية الخاصة بمركز القاهرة الاقليمي للتحكيم التجاري الدولي منذ فترة، وكانت المحاضرة شيقة ومفيدة للمهتمين



اعتقد-في حدود معلوماتي المتواضعة- ان للمنطقة دورا هاما ستلعبه وستنافس "مع الكبار" حسب التعبير الذي استخدمه الدكتور درويش قاصدا المناطق الاخرى المنافسة عالميا. ابدى الدكتور درويش اهتمامه بإقتراحات الحاضرين لبناء منظومة قانونية تصلح للمنافسة عالميا ايضا. اتمنى ان يساهم اهل العلم والخبرة القانونية في بناء نواة لنظام قانوني راق لهذه المنطقة لعله يكون فاتحة لتطوير النظام القانوني المصري ككل. والله اعلم

Wednesday, March 2, 2016

لا تنمية بلا سيادة قانون


مؤتمر استراتيجية التنمية في مصر كشف لنا عن ايجابيات وسلبيات. من الايجابيات مثلا الاعتراف بخطأ السياسة المصرفية السابقة التي تساهلت مع اقراض اكبر٥٠  شركة ومجموعة اقتصادية في مصر الي درجة ان حصلت على ٣٠٪ من القروض. وامر ايجابي ايضا ان اعلن الاستاذ طارق عامر محافظ البنك المركزي عن التوجه نحو استراتيجية جديدة (وليست بديلة) وهي تخصيص ٢٠٠ مليار جنيه لاقراض المشاريع الصغيرة


اما السلبيات التي كشف عنها المؤتمر فهي في غاية الاهمية خاصة واننا في مرحلة تستدعي بناء توافق حول اي استراتيجية للتنمية والاهم من بناء التوافق هو بناء دعم شعبي لهذه الاستراتيجية. اول السلبيات ان المؤتمر لم يتطرق الي معضلة سيادة القانون إلا بإشارة مختصرة من الرئيس الى اداء وزارة الداخلية وإلي تجنب تعميم أخطاء افراد ونسبتها إلي الشرطة ككل. لم يكن امرا موفقا الا تكون سيادة القانون ركنا اساسيا ولازما عند الحديث عن استراتيجية التنمية. لا تنمية عامة بدون قانون يسود على الجميع. ولا تنمية اقتصادية حقيقة وعادلة في توزيع ثمارها على الجميع ما لم تكن مصحوبة بتنمية قانونية حقيقة وعادلة في حماية حقوق الجميع سواء افراد او مشروعات صغيرة او متناهية الصغر بل وايضا الشركات الكبيرة والمتوسطة. خلال حملته الانتخابية، كان هناك مقابلة بين السيسي واحد الإقتصاديين المهتمين بشئون التنمية وهو هرناندو دي سوتو. في مؤلفه سر رأس المال، والذي تناول فيه مصر ضمن دول اخري فيها معوقات جسيمة للتنمية، ذكر منها مثلا اهمية التسجيل القانوني للحقوق واهمية الدور الذي تلعبه بعض الاجهزة الحكومية في هذا الصدد مثل الشهر العقاري. لعل من المناسب ان تخرج علينا وزارة العدل بمؤتمر تعرض فيه رؤيتها وإهتمامها بفرع مهم من فروع القانون هي قانون التنمية

ثاني هذه السلبيات هو إشارة السيسي إلي بعض ما يشغل الرأي العام إشارة مقتضبة دون تناول تفصيلها. خلال حديثه عن انجازات حكومته بشأن الاسكان اشار الي احد المشروعات المهمة والتي جرى خلال افتتاحها استخدام سجاد احمر -وهو ما ذكره السيسي- على مساحات كبيرة وبصورة ملفتة الي حد سير السيارات على هذا السجاد. الأمر استفز الكثيرين خاصة مع الحالة الإقتصادية التي نشهدها. كان واجبا على السيسي الا يشير إلي الأمر دون التعليق عليه بما يستحق


ثالث هذه السلبيات يرتبط في الحقيقة بثانيها وهو طلب السيسي من افراد الشعب المساهمة في صندوق تحيا بمصر لكنه لم يقدم إجابات لأسئلة تشغل الرأي العام الآن. البعض سألني مباشرة في اليوم التالي للمؤتمر: هل الحكومة تتقشف فعلا او قولا فقط؟ هل مساهمة افراد الشعب تأتي اولا ام بعد مساهمة الشركات الكبير منها والصغير؟ هل مساهمة افراد الشعب ستؤول في نهاية المطاف الي مرتبات وبدلات لطوائف مهنية معينة في الدولة وما حقيقة هذه المرتبات والبدلات؟ لم أملك ردا

اعتقادي الشخصي ان الحكومة بحاجة إلي طرق أكثر فاعلية ومصداقية واكثر إتصالا بإيجابيات المؤتمر. ما حدث لفترة طويلة من تركز الإقراض المصرفي في قلة من الشركات أدى إلي امرين اولهما جيد والثاني سئ. بعض الشركات قويت وبدأت تنافس عالميا وبعضها استقوت وبدأت تضغط داخليا إما على المستهلك او على شركات منافسة اصغر منها. احقاقا للحق، ربما هناك شركات تجمع بين الامرين الجيد والسئ. ما يجب على الحكومة فعله هو ضبط الممارسات التجارية ضبطا قانونيا -وليس سياسيا- بدون افراط او تفريط. الضبط القانوني لممارسات المجموعات الإقتصادية ايا كان حجمها هو امر مهم اقتصاديا لعلاج اي اختلالات او تشوهات حدثت في الماضي، كما أنه امر مجدي ماليا، وهناك ابحاث علمية قيّمة حول تطبيقات ذلك في السوق الامريكية. تحفيز وتفعيل دور الاجهزة الحكومية المختصة برقابة وضبط الممارسات الإقتصادية بحاجة إلي قرار سياسي شجاع وعقلية فنية حكيمة تضبط السوق بتوازن معقول.