Sunday, October 30, 2011

المؤسسة العسكرية المصرية عند مفترق الطرق

لابد من حوار جاد وصادق مع النفس حول دور المؤسسة العسكرية المصرية ومستقبل العلاقات العسكرية المدنية في الجمهورية المصرية الثانية. لن تكون مصر دولة قانون وديموقراطية ناشئة ما لم تكن لدى مؤسساتنا عقيدة راسخة بجدوى سيادة القانون وحتمية صناعته بأسلوب ديموقراطي. بعد ان ساهم جيش مصر في حصته في العمل الوطني بعمومه –بإعلانه قيام الجمهورية الاولى في خمسينات القرن الماضي- عكف على التخصص في العمل العسكري، وتأكدت هويته كجيش وطني ومهني محترف، واولى سمات احترافه ان خص نفسه بما اختصت جيوش الدول القوية نفسها به، فأخذ على عاتقه اعباء العمل العسكري دون غيره، وتفرغ لمهام الامن الخارجي وترك مهام الامن الداخلي لمن يختص بها.

واذا كان لنا ان نتعلم من اخطائنا، فإن اولها هو السماح لإحدى المؤسسات المعنية بالأمن الداخلى (الشرطه) بالخروج عن طبيعتها المدنية واستعمال قوات شبه عسكرية (الامن المركزي). الاصل ان تقوم الشرطة بإعداد قوة محدودة متخصصة لمكافحة الشغب مؤهلة فنيا وقادرة نفسيا على ضبط النفس عند الضرورة وفق ما هو معمول به في تجارب الدول الاخرى. ما حدث ان تم السماح للشرطة بإستخدام امتياز مقرر فقط للجيش للحفاظ على الامن الخارجي للوطن، الا وهو التجنيد الاجباري، فأعدت الشرطة قوات شبه عسكرية (الامن المركزي) قوامها افراد يفترض انهم يخدمون وطنهم تحت لواء جيشه ضد الاعداء في الخارج.

نفس الامر يسري على الذراع الاقتصادية لجيش الوطن. لأي جيش محترف ذراعا اقتصادية غير هادفه للربح وانما تهدف الي تنمية ادواته الحربية وتقنيته العسكرية. هذه الذراع الاقتصادية مثلها مثل الجيش، قوامها عقول وارواح وعرق وجهد واموال الشعب بأكمله. والهدف من الترسانة الصناعية لجيش الوطن هو منافسة الصناعات العسكرية الاجنبية لا منافسة الصناعات المدنية الوطنية. ان استقر لدى الجميع، افرادا ومؤسسات، اهمية وخصوصية الدور الذي ينبغي ان تلعبه المؤسسة العسكرية المصرية في الجمهورية الثانية، كان يسيرا ادراك اهمية وحيوية العلاقات العسكرية المدنية.

في الدول القوية، اساس العلاقات العسكرية المدنية هو الثقة المتبادلة. لكل من العمل العسكري والعمل المدني طبيعة مختلفه، ووبالتالي لكل منهما اهله وخصائصه. قطعا، يتقاطع كلا من العمل العسكري والعمل المدني في موضوعات محددة تقتضي التعاون الصادق بإطلاق، اغلبها يتعلق بموضوعات الامن القومي. وحصر ما يدخل في نطاق الامن القومي وما يخرج عنه هو ثمرة من ثمار علاقة عسكرية مدنية صحية. ومن اعمال المؤسسة العسكرية ما هو عسكري بحسب اصله وطبيعته الفنية، ومنها ما هو مدني اصلا (بحسب اصله وطبيعته الفنية) لكن القانون يضفي عليه الصفة العسكرية حكما لتوافر علة او حكمة ما. وعبارة "القانون يضفي" هي مجاز حقيقته ان الذراع التشريعية للحكومه (البرلمان) تبت في امر يتعلق بأحد ادوات القوة (الجيش) لدى الذراع التنفيذيه للحكومة (مجلس الوزراء ومنهم وزير الدفاع). واستخدام العمل المدني (التشريع مثلا) لرسم حدود العمل العسكري بدون المساس بخصوصيتة واستقلاليته حفاظا على كفاءته، هو اعمال لمبدأ دستوري تبنته الدول القوية هو علو العمل المدني على العمل العسكري Civilian Supremacy over the Military ، واهم نتائجه هو اعتبار رئيس الدولة القائد الاعلى للقوات المسلحة وموافقة البرلمان على اعلان الحرب (مادة 150 من الدستور المصري السابق ومادة 2 وماد 1 من الدستور الامريكي)، وهو احد المسائل التي تتقاطع فيها الحقوق الطبيعية للشخص كفرد (استعمال القوة لحماية حقوقه) مع الحقوق السياسية للشحص كمواطن (انتخاب من يمثله في الحكومة).

فلكل فرد في المجتمع حقوقه الطبيعية، وعلى رأسها حقه في الدفاع عن حقوقه حتى ولو اقتضى الامر استعمال القوة. ولأن المنطق يدعو ان يبذل الفرد جهده في تنمية حقوقه لا فقط مجرد حمايتها، كانت فكرة الدولة والمواطنة، ونشأت فكرة الحقوق السياسية لتعزز حماية الحقوق الطبيعية. فيقبل الفرد –كمواطن- ان تتولى "حكومه" احتكار استعمال القوة لحماية حقوقه الطبيعية، ويباشر المواطن حقوقه السياسية ليختار حكومة تستخدم القوة لتحقق امان المواطن وليس قهره واذعانه.

ولعل من المهم، ومصر في مفترق الطرق، ان نستفيد من تجارب من حولنا، الاصدقاء منهم والخصوم. ولعل في العلاقات العسكرية المدنية في اسرائيل دروسا لنا. وبحسب كتاب "العلاقات المدنية العسكرية في اسرائيل" Civil-Military Relation in Israel لمؤلفه يهودا بن مائير Yehuda Ben Meir الصادر عن جامعة كولومبيا عام 1995، فإن مبدأ علو العمل المدني على العمل العسكري راسخ وواضح عرفا وقانونا، رغم ان اسرائيل لا تملك دستورا وانما عدة قوانين اساسية Basic Laws، ورغم انها معرضة دائما لخطر عسكري مباشر يهدد وجودها في الصميم. ولم يؤثر هذا المبدأ على الدور الحيوي الذي تلعبه وزارة الدفاع الاسرائيلية في فريق تخطيط سياسات الامن القومي والعلاقات الخارجية وتسويق منتجاتها العسكرية.

قانون اساسى- الجيش

اصدره الكنيست الاسرائيلي 31 مارس 1976

جوهر القانون:

1. جيش الدفاع الإسرائيلي هو جيش الدولة.

الائتمار بأمر السلطة المدنية:

2. (أ) يأتمر جيش الدفاع بأمر الحكومة.

(ب) وزير الدفاع هو الوزير المسؤول عن الجيش نيابةً عن الحكومة.

رئيس هيئة الأركان العامة:

3. (أ) يُعتبَر رئيس هيئة الأركان العامّة المستوى القيادي الأعلى في الجيش.

(ب) يأتمر رئيس هيئة الأركان العامة بأمر الحكومة ويتلقّى أوامره من وزير الدفاع.

(ت) تقوم الحكومة بتعيين رئيس هيئة الأركان العامّة بناء على توصية وزير الدفاع.

واجب أداء الخدمة العسكرية والانخراط:

4. يكون واجب أداء الخدمة العسكرية والانخراط في الجيش وفقًا لما يحدّده القانون أو بحكم القانون.

التعليمات والأوامر في الجيش:

5. سيتم تحديد صلاحية تنفيذ تعليمات وأوامر ملزمة للجيش في القانون أو بحكمه.

قوات مسلّّحة أخرى:

6. لا يمكن تشكيل أو قيام قوة مسلّحة أخرى خارج جيش الدفاع، إلا بموجب القانون.

رئيس الدولة إفرايم كاتصير

رئيس الوزراء يتسحاق رابين

Thursday, October 27, 2011

مؤسسات مصر: مقومات قوة ام نقاط ضعف؟


لكي تكون الدولة قادرة على التأثير في سلوكيات الدول الاخرى تعبيرا عن ارادتها وحماية لمصالحها، لابد لها من مقومات لهذه القدرة. ومقومات القدرة او القوة تتحدد بما لدى الدولة من امكانيات (خصائص، موارد، قدرات، مؤسسات). وقيمة مؤسسات الدولة هو قدرتها على حسن ادارة خصائص وموارد وقدرات الدولة بشكل مستمر ومنتظم وفعال. واذا كان للدولة المصرية من مقومات للقوة، فعلى رأس تلك المقومات وجود مؤسسات بلغت حدا من الرشد يؤهلها للقيام بدورها الوطني بمعقولية بدون افراط ولا تفريط.

ولان المؤسسات هى مجرد اداة، فإن رشدها هو من رشد القائمين على امرها. وبالتالي، فإن قوة الدولة المصرية يتوقف على مدى رشد الشخصية المصرية التي تدير كل مؤسسة من مؤسساتها، ومدى نجاح تلك الشخصية في استثمار قوة المؤسسة لتحقيق قوة الدولة.

والدولة القوية تتوزع فيها عناصر القوة بين مؤسساتها بشكل متوازن يغلب فيه التعاون على التنافس،
فقوتها الاقتصادية هي الاساس لقوتها العسكرية
وقوتها العسكرية هي ضرورة لحماية قوتها الاقتصادية
وقدراتها الدفاعية والاستهلاكية والاستثمارية مرتبطة ببعضها في توازن معقول
وشعبها بلغ من الرشد حدا ليحث العقلاء على تحقيق هذا التوازن

الجمهورية المصرية الثانية عند مفترق الطرق
وسيحكم التاريخ على عدة شخصيات مصرية تولت زمام عدة مؤسسات
المؤسسة العسكرية، والمؤسسة القضائية، والمؤسسة الإعلامية
والسؤال: هل احسنت تلك الشخصية المصرية ادارة قوة المؤسسة لصالح قوة الدولة؟