Monday, October 25, 2010

الصحافة القضائية والمحكمة الدستورية


قرر احد افرع الجهاز القضائي المصري (المحاكم المدنية والجنائية) اسلوبا جديدا في التعامل مع وسائل الاعلام تختلف عما اعتدناه من قبل. فقد اصدرت المحاكم المدنية والجنائية تعليمات ادارية الي ادارات الحرس بها، بمنع كاميرات وادوات النقل اوالبث اوالتصوير اوالتسجيل التليفزيوني من الدخول، على ان يتحمل الصحفيون مسئولية نقل النصوص كاملة من واقع محاضر الجلسات، لنشرها مكتوبة وليست مصورة، سواء في الصحف، او غيرها من وسائل الاعلام. ورغم ان الشائع ان مكتب النائب العام هو الجهة الوحيدة المنوط بها التحقيق في اي تجاوزات تحدث من الاعلام، إلا ان هذا لم يمنع من حدوث بعض المناوشات بمناسبة رسم يدوي اعده احد الاعلاميين لمشهد من احدى الجلسات.

ولم يكتف القاضي سري صيام (رئيس محكمة النقض) بالتعبيرعن تحفظه على تصوير المتهمين في اقفاص الاتهام، بل ايضا على إحتمال تأثير الميكروفونات والاضواء على تركيز القاضى والرأي العام. وايد البعض القرار لاعتبارات مختلفة، منها حماية لهيبة القضاة او لحماية مشاعر المتهمين واسرهم او لحماية سير العدالة من اصحاب المال والنفوذ. وفي المقابل، رأى البعض ان كان من الافضل تفعيل العقوبات الموجودة بالفعل في مواجهة "كل من يخل بمقام قاض او هيبته اوسلطته في صدد دعوى، او من يقوم بذكر امور من شأنها التأثير في القضاة اوالشهود اوالتأثير في الرأي العام لمصلحة طرف في الدعوى" كما يقرر قانون العقوبات.

ورغم ان "منع الإعلام التليفزيوني من تغطية العمل القضائي" قد صدر تحت مسمى "قرارات تنظيمية"، الا اننا حقيقة بصدد ما يسمى "تشريع افتراضي". هو تشريع لانه فرض قواعد عامة لم توجد من قبل على اعضاء مهنة معينة (الإعلاميين)، وهو افتراضي لأنه لا يتعلق بمشكلة اواكثر تكررت بصورة واضحة محددة. وإن صدق اعتباره تشريعا افتراضيا، وجب اعادة النظر فيه. فمن ناحية، فإن فرض قواعد عامة مجردة وتقرير جزاء على مخالفتها هو من عمل الجهاز التشريعي للدولة وليس عمل الجهاز القضائي او احد افرعه، حتى ولو ايده في ذلك المجلس الاعلى للصحافة ووزير الإعلام. ومن ناحية اخرى، لا يستقيم القول ان اساءة وسائل الاعلام استخدام منابرها المهنية استغلالاً لثغرة تشريعية ما قد بلغ حد الظاهرة التي تستوجب علاجها.

ولعل الأسلوب الأمثل لإعادة النظر في القرارت الأخيرة هو عرضها على المحكمة الدستورية العليا. وللأخيرة ان تراعي العناصر الواجب توافرها لضمان "رشد التشريع والسياسة التشريعية". فالتشريع الرشيد يجب (أولا) ان يعالج ظاهرة محددة تكررت بصورة نمطية، وان يقرر جزاء ينفذ بصورة غير انتقائية. ويجب (ثانيا) ان يراعي مصالح جميع المهنيين ذوي المصالح المتصلة (القضاة والاعلاميين في حالتنا هذه). ويجب (ثالثا) ان يسري حكمه علي افرع الجهاز القضائي جميعها (مدني وجنائي واداري ودستوري)، وعلى وسائل الاعلام جميعها (المكتوبة والمسموعة والمرئية) فلا يتقرر لإحداها ميزة تنافسية على غيرها علي غير اساس منطقي معقول.

والسياسة التشريعية الرشيدة يجب ان تراعي (اولا) الانتقال التدريجي الذي تشهده مصر من ثقافة امن الطوارئ الي ثقافة الامن القانوني. وتراعي (ثانيا) ان بناء الثقة العامة في مؤسسات حكم القانون يتوقف على تعزيز الحق في تداول المعلومات. ويراعي (ثالثا) ان تعزيز الثقة العامة في مهنة ما يتوقف على مدى كفائة اعضائها وادائها ومدى اقبالها على مجتمعها لا انكفائها على ذاتها.