Saturday, December 11, 2010

اجراءات الكونجرس الامريكي لعزل قاضي


شهد مجلس الشيوخ الامريكي مؤخرا المراحل الاخيرة من اجراءات عزل Impeachmentالقاضي الفيدرالي توماس بورتيوس. كقاعدة عامة، لا يمكن عزل القضاة الفيدراليين في الولايات المتحدة الامريكية الا بعد احترام القواعد الاجرائية الخاصة المقررة، وعلى رأسها اجراءات التحقيق والاتهام ثم اجراءات المحاكمة عبر جناحي البرلمان الامريكي (الجناح الاعلى هو مجلس الشيوخ والجناح الادنى هو مجلس النواب). اجراءات العزل التي بدأ المجلسين في اتخاذها تعد الاولى منذ اجراءات العزل التي تم اتخاذها في مواجهة الرئيس السابق كلينتون، والتي اقر فيها مجلس النواب باتهامه في ديسمبر 1998، والتي انتهت بأن برأه مجلس الشيوخ من التهمة الموجهة اليه في فبراير 1999.

بدأت اجراءات عزل بورتيوس في يونيو 2008، وذلك بعد ان تقدم المجلس القضائي للولايات المتحدة الامريكية بطلب الي رئيس مجلس النواب الامريكي يسمح فيه للمجلس ببدء اجراءات اتهام القاضي الفيدرالي. وقد تضمن الطلب الحيثيات التي اسس عليها قراره، والتي خلص اليها بعد اتباعه اجراءات التحقيق المقررة في هذا الشأن. وانتهى في طلبه الي ان افعال القاضي الفيدرالي بورتيوس ادت الي حرمان العامة من عدالة نزيهة، وان مسلكه الوظيفي يعد اساءة لمنصبه القضائي ومخالفة لميثاق شرف قضاة الولايات المتحدة الامريكية.

وفي مارس 2010، انتهى مجلس النواب الامريكي الي مشروع قرار الاتهام وعرضه للتصويت، فصدر القرار بالاجماع متضمنا لائحة اتهام من اربع مواد، الاولى تتهمه بارتكابه بما يسئ للاهليه الوظيفية بما ارتكبه من افعال، والثانية تتهمه بارتكابه ما يسئ للنزاهة الوظيفية، والثالثة تتهمه بتضليل جهات العدالة وقت شهر افلاسه، والرابعة تتهمه بتضليل جهات العدالة وقت تعيينه قاض فيدرالي.

وفي اغسطس 2010، بدأ مجلس الشيوخ الامريكي اجراءات محاكمته في ضوء قرار الاتهام الصادر من مجلس النواب. فاصدر قرارين، الاول يطلب فيه من المتهم بالمثول امام المجلس ليرد على الاتهامات الموجهه اليه، والثاني بتشكيل لجنة لفحص الادلة المقدمة والتي انبنى عليها قرارا الاتهام. سيعرض مجلس الشيوخ قراره للتصويت الاربعاء المقبل، ويحتاج اصدار القرار الي اغلبية ثلثي الاعضاء. في حالة تأييد اتهامه على اساس اي من مواد الاتهام الاربعة، سيصبح بورتيوس ثامن قاضي فيدرالي يتم عزله من منصبه.

Saturday, November 27, 2010

معهد الإسكندرية للقانون المقارن


تعكف كلية الحقوق جامعة الإسكندرية على تأسيس معهد للقانون المقارن AlexLaw Comparative Law Institute، بهدف التخصص في احد العلوم القانونية التي تزداد اهميتها في عالمنا المعاصر. تسعى حقوق الإسكندرية ان يصبح معهد القانون المقارن بمثابة امتدادا لنشاطها على الساحة الدولية والاقليمية، بعد ان عززت تواجدها على الساحة المحلية المصرية عبر مركز الدراسات القانونية والإقتصادية وبرنامج العيادة القانونية. وتبدو اهمية المعهد الناشئ في ضوء الملاحظات التالية:
أولاً: ابرز معاهد القانون المقارن هي تلك التي تتبع جامعة كولومبيا الامريكية، وجامعة اكسفورد البريطانية، وجامعة ماكجيل الكندية، ووزارة العدل السويسرية ، او لا تتبع غيرها من المؤسسات مثل المعهد البريطاني للقانون الدولي والمقارن. ومواقعها علي شبكة الإنترنت كالتالي:
ثانياً: يجمع بين هذه المعاهد هدف واحد هو توفير الأبحاث الأكاديمية وتقديم الإستشارات القانونية ذات الصلة بموضوعات القانون الدولي والأجنبي لصناع القرار (الأجهزة الحكومية المختلفة، المنظمات الدولية والأقليمية، المحاكم الوطنية، مؤسسات القطاع الخاص).
ثالثاً: تلجأ هذه المعاهد الي تحقيق رسالتها من خلال:
1. فريق تنفيذي يدير العمل اليومي بالمعهد، وينظم الانشطة العلمية ذات الصلة (مؤتمر سنوي- محاضرات وورش عمل)، ويربط المعهد بغيره من المؤسسات ذات الاهتمامات المشتركة (وزارتي العدل والخارجية، والمنظمات الدولية والأقليمية، ومعاهد البحث الأجنبيه)، ويعمل على زيادة الموارد المالية للمعهد.
2. فريق بحثي يدير العمل الفني بالمعهد، ويوفر الابحاث الأكاديمية والإستشارات القانونية ومشروعات قوانين للمهتمين من اصحاب المصالح العامة (الاجهزة الحكومية مثلا) او اصحاب المصالح الخاصة (مؤسسات الاعمال الهادفة للربح او المنظمات الاهلية الغير هادفة للربح) .
3. فريق مكتبي يعكف علي بناء قاعدة بيانات متعددة اللغات تضم
a. الاتفاقيات الدولية التي تبرمها الدولة مع الكيانات الدولة الاخرى (دول ومنظمات اقليمية ودولية)
b. الاعمال الرسمية التي تصدر إعمالاً لهذه الاتفاقيات (اعمال تنفيذية وتشريعية وقضائية)
c. الاعمال غير الرسمية التي تصدر عقيباً على هذه الاتفاقيات (ابحاث فقهية وبيانات من ذوي المصالح المرتبطه)
رابعاً: تلجأ هذه المعاهد الي تصميم مواد تعليميه متخصصه، لتدريب كوادرها البحثيه، ولتدريب كودار الهيئات الأخرى (من القضاة والمحامين والدبلوماسيين بالدولة وبالمنظمات الدولية والاقليمية).

Sunday, October 31, 2010

دور النائب العام في التنمية الاقتصادية

الاقتصاد المصري اقتصاد في طور التحول من الاقتصاد المقيد (خطة حكومية- ينفذها موظف عام- بواسطة مال حكومي) الي إقتصاد حر (سوق مفتوح- تحركه كيانات اقتصاديه - بواسطة مال خاص). تحول اغلب النشاط الاقتصادي من الحكومة الي القطاع الخاص يستتبع زيادة الجهات الرقابية المستقلة. النائب العام و معاونوه لهم دور في تشجيع الاستثمار الوطني و الاجنبي من خلال عدة محاور تدور حول دعم ثقة المستثمر في جدوي الكيانات الإقتصادية كالشركات وفي الجهات الرقابية الحكومية و حول زياده قدرة المستثمر علي التنبؤ بإتجاه السوق الوطني و بالتالي علي اتخاذ قراراته الاقتصادية.

قد يري النائب العام تشديد المعاملة العقابية او العكس بتخفيف بعض القيود الرقابية حسب تقديره 
لاهمية النشاط الإقتصادي الناشئ اوخطورته علي كيانات اقتصادية تنافس دوليا. التحول الاقتصادي لا يستتبع نمط واحد من المعاملة الرقابية بل قد تستتبع مد الرقابة regulationفي بعض الاحوال و تقليل الاليات الرقابيةDeregulation في احوال اخري. وتتنوع الحماية القانونية التقليدية و المستحدثة بالنظر للخصخصة التدريجية للقطاعات الاقتصادية و تتسع قاعدة عقاب الاشخاص المعنوية مقابل تقلص قاعدة عقاب الافراد و تحول الافعال المجرمة تدريجيا من افعال تمس النزاهة المالية للقائمين بالنشاط الاقتصادي الحكومي الي افعال تتعلق بالنشاط الاقتصادي نفسه (احتكار- غش في تجميع رأس المال- غش الاجهزة الرقابية- اعاقة العدالة). تزداد الرقابة الحكومية حال لو كانت الكيانات الاقتصادية الخاصة تتسلم دعم حكومي (اعفاءات و حوافز استثمارية) اومال محمي حكوميا (الودائع و الاوراق المالية).

للناائب العام استخدام الوسائل البديلة للتقديرات الفردية لمعاونيه. قد يري النائب العام اصدار تعليمات لمساعدوه في شكل جدول عقوبات يمايز الادعاء علي اساسها بين حالات ينبغي التمييز بينها رقابيا لكن لم تستدعي التمييز بينها تشريعيا لتتابع المتغيرات الاقتصادية و لتوفير كلفة التعديلات التشريعية المتلاحقة التي يتحملها متخذ القرار الاستثماري. جدول العقوباتsentencing guideline معمول به في الولايات المتحدة لكنه تشريع يسترشد به القاضي عند تقدير العقاب ويفرق بين الشخص الطبيعي و المعنوي و الادارة العليا و الدنيا و الوسطي للشخص المعنوي و حالة التكرار اوالعود والضرر المترتب او الخطر المحتمل و مدي مراعاة الشخص المعنوي لقواعد حوكمة الشركات و الضوابط المحاسبية و مدي التزامه بتعليمات الجهات الرقابية و طلباتها تعديل اسلوب عمله و مدي تعاونه مع جهات التحقيق وغيرها.

Monday, October 25, 2010

الصحافة القضائية والمحكمة الدستورية


قرر احد افرع الجهاز القضائي المصري (المحاكم المدنية والجنائية) اسلوبا جديدا في التعامل مع وسائل الاعلام تختلف عما اعتدناه من قبل. فقد اصدرت المحاكم المدنية والجنائية تعليمات ادارية الي ادارات الحرس بها، بمنع كاميرات وادوات النقل اوالبث اوالتصوير اوالتسجيل التليفزيوني من الدخول، على ان يتحمل الصحفيون مسئولية نقل النصوص كاملة من واقع محاضر الجلسات، لنشرها مكتوبة وليست مصورة، سواء في الصحف، او غيرها من وسائل الاعلام. ورغم ان الشائع ان مكتب النائب العام هو الجهة الوحيدة المنوط بها التحقيق في اي تجاوزات تحدث من الاعلام، إلا ان هذا لم يمنع من حدوث بعض المناوشات بمناسبة رسم يدوي اعده احد الاعلاميين لمشهد من احدى الجلسات.

ولم يكتف القاضي سري صيام (رئيس محكمة النقض) بالتعبيرعن تحفظه على تصوير المتهمين في اقفاص الاتهام، بل ايضا على إحتمال تأثير الميكروفونات والاضواء على تركيز القاضى والرأي العام. وايد البعض القرار لاعتبارات مختلفة، منها حماية لهيبة القضاة او لحماية مشاعر المتهمين واسرهم او لحماية سير العدالة من اصحاب المال والنفوذ. وفي المقابل، رأى البعض ان كان من الافضل تفعيل العقوبات الموجودة بالفعل في مواجهة "كل من يخل بمقام قاض او هيبته اوسلطته في صدد دعوى، او من يقوم بذكر امور من شأنها التأثير في القضاة اوالشهود اوالتأثير في الرأي العام لمصلحة طرف في الدعوى" كما يقرر قانون العقوبات.

ورغم ان "منع الإعلام التليفزيوني من تغطية العمل القضائي" قد صدر تحت مسمى "قرارات تنظيمية"، الا اننا حقيقة بصدد ما يسمى "تشريع افتراضي". هو تشريع لانه فرض قواعد عامة لم توجد من قبل على اعضاء مهنة معينة (الإعلاميين)، وهو افتراضي لأنه لا يتعلق بمشكلة اواكثر تكررت بصورة واضحة محددة. وإن صدق اعتباره تشريعا افتراضيا، وجب اعادة النظر فيه. فمن ناحية، فإن فرض قواعد عامة مجردة وتقرير جزاء على مخالفتها هو من عمل الجهاز التشريعي للدولة وليس عمل الجهاز القضائي او احد افرعه، حتى ولو ايده في ذلك المجلس الاعلى للصحافة ووزير الإعلام. ومن ناحية اخرى، لا يستقيم القول ان اساءة وسائل الاعلام استخدام منابرها المهنية استغلالاً لثغرة تشريعية ما قد بلغ حد الظاهرة التي تستوجب علاجها.

ولعل الأسلوب الأمثل لإعادة النظر في القرارت الأخيرة هو عرضها على المحكمة الدستورية العليا. وللأخيرة ان تراعي العناصر الواجب توافرها لضمان "رشد التشريع والسياسة التشريعية". فالتشريع الرشيد يجب (أولا) ان يعالج ظاهرة محددة تكررت بصورة نمطية، وان يقرر جزاء ينفذ بصورة غير انتقائية. ويجب (ثانيا) ان يراعي مصالح جميع المهنيين ذوي المصالح المتصلة (القضاة والاعلاميين في حالتنا هذه). ويجب (ثالثا) ان يسري حكمه علي افرع الجهاز القضائي جميعها (مدني وجنائي واداري ودستوري)، وعلى وسائل الاعلام جميعها (المكتوبة والمسموعة والمرئية) فلا يتقرر لإحداها ميزة تنافسية على غيرها علي غير اساس منطقي معقول.

والسياسة التشريعية الرشيدة يجب ان تراعي (اولا) الانتقال التدريجي الذي تشهده مصر من ثقافة امن الطوارئ الي ثقافة الامن القانوني. وتراعي (ثانيا) ان بناء الثقة العامة في مؤسسات حكم القانون يتوقف على تعزيز الحق في تداول المعلومات. ويراعي (ثالثا) ان تعزيز الثقة العامة في مهنة ما يتوقف على مدى كفائة اعضائها وادائها ومدى اقبالها على مجتمعها لا انكفائها على ذاتها.

Monday, October 18, 2010

أزمة عقد مدينتي ومستقبل القضاء االمصري المتخصص


على مدار الشهور الاخيرة، أدارت الدولة المصرية أزمة "عقد أرض مدينتي" بطريقة عملية، بدت العلاقة فيها بين أجهزة الدولة أكثر نضجاً وإلتزاما بسيادة القانون عما مضى. أتمنى ان تدوم هذه العلاقة وأن تتطور نحو الأفضل في المستقبل. وسعياً وراء هذا الهدف، تهدف الملاحظات التالية نحو الإرتقاء بالحوار بين أجهزة الدولة لمستوى آخر يشجع اللجوء الي التقاضي، بإعتباره الأسلوب المثل لفض المنازعات ايا كان اطرافها، ويقلل من إساءة إستعماله، كيلا يؤول معرقلاً للتنمية بدلا من محفزاً لها.

الأزمة الأخيرة دارت على مستويات ثلاثة، المستوى الاول اطلق شرارته الازمة التي نشبت بين احد المواطنين (المهندس الفخراني) واحد الاجهزه التابعه للسلطة التنفيذية (هيئة المجتمعات العمرانيه) بسبب رفض الأخيره لطلب قدم اليها بشأن الحصول علي قطعة ارض. المستوى الثاني اطلق شرارته الحكم الصادر من إحدى المحاكم المتخصصة التابعة لأحد افرع القضاء المصري، وتم تأييده لاحقاً بواسطة المحكمة الاعلى التي تتبعها تلك المحكمة. المستوى الثالث اطلق شرارته تشكيل الحكومه للجنة "قانونية محايدة" لتبحث حل أزمة عقد مدينتي.

في مرحلتها الاولى، بدأ النزاع محددا برفض جهة تنفيذية لطلب احد المواطنين، وهو ما رآه غير قانوني في ظل موافقتها فى حالات اخرى (منها العقد المبرم لمشروع ارض مدينتي)، وبشروط اقل تشدداً. فاحتكم الي احد افرع الجهاز القضائي (القضاء الإداري)، بإعتباره المتخصص في فض المنازعات التي تكون السلطة التنفيذية احد اطرافها. لكن المعضلة ان جوهر النزاع انصب على الحالة التي استشهد بها (الموافقة على عقد ارض مدينتي) وليس الحالة التي وقع الضرر فيها عليه (رفض التعاقد على ارض للمهندس الفخراني).

وفي مرحلتها الثانية، لم يجد القضاء الإداري المتخصص حرجاً في نظر العقد المبرم بين الجهة التنفيذية وإحدى شركات القطاع الخاص، خاصة في ظل تدخل الشركة الي جانب الجهة التابعة للجهاز التنفيذي للدولة والمقام الدعوى ضدها. وصدر الحكم النهائي فتناول قانونية العقد المبرم من نواح عديدة: التكييف القانوني للعقد (عقد إداري ام مدني)، الإجراءات الإدارية المتبعة لإبرام العقد، التوازن الإقتصادي للعقد.

وفي مرحلتها الثالثة، لجأت الحكومة الي تشكيل لجنة قانونية محايدة، من أجل حل ازمة عقد مدينتي في ضوء الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا. وتنصب اغلب جهود اللجنة على مراعاة الابعاد الإقتصادية للحكم الصادر، ومحاولة توفيق الأوضاع واستقرار المراكز القانونية المتصلة بالنزاع. وبالنظر الي الخلاف المثار حول مدى قانونية اللجنة ومدي حيدتها، فإن الأمر الواضح للعيان أن اللجنة تقوم بعمل شبه قضائي يرمي الي الي فض النزاع مع مراعاة ابعاد لم يراعيها القضاء الإداري في ضوء تخصصه، وكان الاولى ان تترك امراجعة التوازن الإقتصادي للعقد لقضاء متخصص من نوع آخر كالقضاء الإقتصادي الذي تم إنشاءه مؤخراً.

وعلى نفس المنوال، ليس هناك ما هو افضل من المحكمة الدستورية العليا المصرية التي يمكنها ان تجتهد قضائياً بعد ان تعمل جهدها لمراعاة السياسة التشريعية للدولة وللإعتبارات الاقتصادية والاجتماعية لما تصدره من احكام، ولا يملك احد اثارة الجدل حول احكامها مقارنة بأي لجنة حتى ولو كانت قانونية ومحايدة تماماً.

Monday, August 30, 2010

مسجد مركز التجارة العالمي


يحتدم النقاش حالياً في الولايات المتحدة الامريكية بشأن بناء مركز قرطبة الإسلامي لخدمة المجتمع بمدينة نيويورك الامريكية. وبصفة عامة، فإن بناء المراكز الدينية الرامية الي خدمة مجتمعاتها المحيطة بها هو احد السنن الحميدة في الثقافة الأمريكية، إلا أن المشروع الأخير تجاوز غيره بالنظر الي الجدل الدائر حوله. وبصفة خاصة، فإن اهتمام وسائل الاعلام بالجدل حوله لم يخلو من شوائب زادت الخلاف عمقاً بدلاً من أن تخفف منه. فعلى سبيل المثال، أدى تسويق القضية إعلامياً تحت مسمى "مسجد مركز التجارة العالمي إلي اختزال المشروع في مجرد بناء مسجد، رغم أن المكان المخصص للصلاة يمثل طابقاً من طوابق متعددة يتكون منها المشروع بأكمله. وقد أدى هذا بدوره الي تصوير موقع المشروع بإعتباره ملاصقاً لموقع مركز التجارة العالمي الذي تعرض لأحداث 11 سبتمبر الأليمة، رغم ان المشروع علي مسافة ليست هينة من موقع مركز التجارة العالمي السابق.
كعادة المجتمع الامريكي، نشط العديد من أساتذة القانون لتخفيف حدة الخلاف، ولبناء توافق وطني حول المسألة. ووسعى البعض الي رد القضية الي اصولها القانونية وتحييد الحساسيات المجتمعية التي اقحمها البعض لإعتبارات سياسية إنتخابية بحتة. وقد بلغت تلك الحساسيات ذروتها بإنتقاد معارضي اوباما لموقفه من المسألة، والذي عبر عنه خلال حفل الإفطار الرمضاني السنوي الذي يستضيفه البيت الأبيض. ويتلخص موقف اوباما في أهمية الحفاظ علي الحرية الدينية لكل من ينتمي للارض الامريكية، سواء بالميلاد او بالهجرة، حيث أن هذا هو ما نشده المؤسسون الاوائل للأمة الأمريكية. وأعلن أنه كمواطن وكرئيس يؤمن بحق المسلمين -مثلهم مثل غيرهم- في ممارسة ما يؤمنون به، ووبالتالي حقهم في بناء مكان للعبادة ومركز لخدمة المجتمع علي الارض المملوكة ملكية خاصة في مانهاتن (لاحظ ان الملكية العامة لا يجوز ان تخصص لغرض ديني في ظل النص الدستوري الامريكي الذي يفصل الدين عن الدولة).
ولم يتوانى المعارضون لاوباما في حشد الاسانيد والحجج لكسب الرأي العام الأمريكي. فأعلن بعضهم انه لا يعارض بناء المسجد في حد ذاته، وانما يعترض علي بناءه في هذا المكان، بالقرب من مركز التجارة العالمي . وأستند هؤلاء الي بعض مؤشرات قياس الرأي العام الأمريكي للتدليل على ما يثيره الامر من حساسية مجتمعيه، لينتهوا الي دعوتهم القائمين على المشروع لإختيار موقعاً آخر له. ومن ناحية أخرى، لم يتردد فريق آخر في التعبير عن نزعته العدوانية المتسترة بالدين، فدعا احدهم الى حرق القرآن الكريم تزامناً مع قدوم 11 سبتمبر، وهو ما لقى الإستهجان من العديد من قادة الرأي في المجتمع الأمريكي. ودعا فريق ثالث الى تعليق بناء المركز الإسلامي علي سماح السعودية ببناء كنيسة او معبد في مكة، وهو ما انتقده بعض رجال القانون لرفضهم تعليق نفاذ الحريات الدينية التي يكفلها الدستور الامريكي علي امر سياسي لا شأن له بالنص الدستوري. الشيق في الأمر هو إستشهاد أحدهم بنص الدستور المصري (المادة 40)، بإعتبارها نموذج معتدل لتعزيز سيادة القانون جنباً الى جنب مع الحرية الدينية في إحدى أكبر دول الشرق الاوسط ذات الأغلبية المسلمة. تنص المادة المشار اليها على أن "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا فرق بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أواللغة أوالدين أو العقيدة." خلاصة القول، احترام القانون –نصاً وروحاً وممارسة- لحقوق الأقليات في العالم الإسلامي اصبح له اثره المباشر في احترام حقوق الأقليات المسلمة في العالم، وربما سيكون له اثر تفاوضي في ظل محاولة إسرائيل دفع الأقليات العربية للهجرة منها.

Sunday, April 11, 2010

صدي مجتمعي للإجتهاد القضائي


-->
اطلق حكم قضائي صدر مؤخراً حوار مجتمعي بناء بعد ان وجد صدي له في محافل عدة، ولقي اهتماماً يستحقه من المجتمع الاهلي ، واتمني ان يلقي اهتماماً مماثلاً من المجتمع الرسمي ومجتمع الاعمال في مصر. الحكم صدر عن محكمة القضاء الإداري برئاسة القاضي عادل فرغلي، وأكد الإلتزام الرسمي بوضع حد أدني لأجور جميع العاملين بالدولة.

القضاء الإداري هو جزء من مجلس الدولة المصري. ومجلس الدولة المصري هو قاضي دعاوي السلطة التنفيذية وصاحب رأي قانوني في اعمالها إفتاء وتشريعاً. ولا ينبغي ان يقال ان الحكم الأخير قد تجاوز نطاق العمل القضائي ليدخل الي نطاق العمل التنفيذي، فالفصل الصحيح بين السلطات لا يعني ان تعيش كل منهم منعزلة عن غيرها، بل ان تدير كل منهم امورها الفنية المتخصصة وفق ما تراه يناسب رأسمالها البشري والمادي والسياسي. اما ما لا يمكن الفصل فيه بين السلطات، هو اشتراكها جميعاً في تنفيذ الأجندة الوطنية للتنمية التي وضع الدستور مبادئها العامة، وتلتزم كل سلطة من سلطات المجتمع الرسمي الثلاثة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) بوضع هذه الأجندة موضع التنفيذ بغير عرقلة سواء من المجتمع الأهلي، او مجتمع الاعمال، او حتي باقي اجنحة المجتمع الرسمي.

ولكل سلطة من سلطات المجتمع الرسمي أداة دستورية عليها الإجتهاد في إستعمالها لتقوم بالعبء الملقي علي عاتقها. وفقاً للتوزيع الدستوري لرأس المال السياسي الوطني، تملك السلطة التشريعية قوة النص التشريعي، وتملك السلطة التنفيذية قوة القرار الإداري، وتملك السلطة القضائية قوة الحكم القضائي. والحكم الأخير هو بمثابة إجتهاد قضائي محمود له أساس في العلم القانوني المعاصر، وينبغي الإعتناء به وتشجيعه لا محاولة إختزاله وإستئصاله من الجهاز القضائي المصري، وبالتالي من العقل القانوني المصري. مع ذلك، ينبغي ان تلتزم كل سلطة الحذر عند إستعمالها للأداة الدستورية الموكلة إليها، ففارق كبير بين دعوي قضائية يرمي صاحبها الي تنمية حقيقية وفصلها قاضيها بمنطق قضائي اسسه علي نصوص قانونية ووثائق رسمية وبحوث علمية، ودعوي اخري ينقصها ما سبق، فتضر قاضيها أكثر ما تضر صاحبها. وما يسري علي الحكم القضائي، يسري كذلك علي النص التشريعي والعمل الإداري. أتمني أن تقف سلطات المجتمع الرسمي وراء عمل رسمي نتج عن احد اجنحتها، وان تتبني تنفيذه وفق معايير ملائمة معقولة ومقبولة تضيف الي سيادة القانون ولا تنتقص من هيبته.
مواقع ذات صلة:

Tuesday, April 6, 2010

صدي مجتمعي للإجتهاد الأكاديمي

-->
خلقت إحدي التوصيات الصادرة عن المؤتمر العلمي الأخير لحقوق الإسكندرية حوار مجتمعي فعال بعد ان وجدت صدي لها في عدة مؤسسات قانونية مصرية: مجلس الشعب ونادي القضاة ونقابة المحامين بالإسكندرية. كانت حقوق الإسكندرية قد اوصت بإقرار مبدأ التقاضي علي درجتين في الجنايات، وذلك في ختام فعاليات مؤتمرها الأخير "الإتجاهات التشريعية الحديثة في التنظيم القضائي" المنعقد في الفترة 10-11 مارس 2010. يذكر أن المؤتمر قد شهد تناول عدة اوراق بحثية تعرضت لهذه المسألة. فتحت عنوان " التقاضي علي درجتين في الجنايات"، تعرض الاستاذ الدكتور بشير سعد زغلول لهذه المسألة، وتحت عنوان " التقاضي علي درجتين في الجنايات ضرورة يوجبها القانون ويفرضها الواقع" ناقش القاضي الدكتور خيري الكباش اهميتها العملية، و تحت عنوان "إعتلال صحة التقاضي في مصر" ناقش الأستاذ الدكتور أحمد حشيش الأصول الأولي للمبدأ في ظل القانون الإلهي. وقد انتهي المؤتمر الي دعوة المشرع المصري لتبني مبدأ التقاضي علي درجتين في الجنايات (التوصية السادسة عشر من "التوصيات الصادرة عن مؤتمر حقوق الإسكندرية العلمي: الاتجاهات الحديثة في التنظيم القضائي").
في الوقت نفسه، دعي الاستاذ الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب الي استحداث درجة ثانية في الجنايات للطعن امام محكمة الجنايات بدلاً من قصرها علي النقض فقط. وجاءت دعوة الدكتور سرور خلال اجتماع لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس الشعب لمناقشة مشروع قانون الإتجار بالبشر.
وكانت الدراسة التي اعدها القاضي الدكتور خيري الكباش موضع نقاش لاحق شهده مؤتمر نادي القضاة بالتعاون مع برنامج العدالة والحرية بمؤسسة الجيل الجديد والمنعقد 20 مارس 2010، بمشاركة الأستاذ الدكتور فتوح الشاذلي استاذ القانون بحقوق الإسكندرية والقاضي عدلي حسين محافظ القليوبية والقاضي احمد الزند رئيس نادي القضاة و القاضي المحمدي قنصوة والدكتور ايهاب الخراط والاستاذ مصطفي النبراوي .وانتهي المؤتمر الي تقديم توصية لمجلس الشعب ومجلس القضاء الأعلي ووزارة العدل، بتعديل قانون الإجراءات الجنائية في شأن التقاضي علي درجتين بالجنايات.
من ناحية ثالثة، اعلن عبد العزيز الدريني عضو نقابة المحامين بالإسكندرية عن تقدم النقابة بمشروع قانون جديد، في إطار التوصية التي اصدرها المؤتمر العلمي لحقوق الإسكندرية بأن يكون التقاضي في الجنايات علي درجتين لإعتبارات العدالة والمصلحة العامة. وأشار الدريني الي "ان النقابة الفرعية للمحامين بالأسكندرية، قد قررت تشكيل لجنة قانونية لدراسة الوضع القانوني وإعداد مشروع قانون يقدم لمجلس الشعب ليعرض في دورته الحالية، وتم توجيه الدعوة للمشاركة في هذه اللجنة لعدد كبير من خبراء القانون بالإسكندرية ومنهم الأستاذ الدكتور عوض محمد عوض استاذ القانون الجنائي بالإسكندرية والقاضي احمد مهني والاستاذ سمير حافظ والقاضي خيري الكباش والدكتور بشير سعد زغلول.

Sunday, April 4, 2010

مقال: إعتلال صحة التقاضي


-->
طالعت مؤخراً بحثاً بعنوان "إعتلال صحة التقاضي في مصر" لكاتبه الأستاذ الدكتور أحمد محمد حشيش أستاذ القانون بكلية الحقوق جامعة طنطا. يقدم الكاتب موضوعه موضحاً تأييده لأهمية ترتيب الاتجاهات الحديثة للتنظيم القضائي الحديث بمراعاة عدة فئات من المتقاضين تتعلق مصالحها به. لكنه يركز في بحثه علي جانب يراه لم يلق الاهمية التي يستحقها بعد. فيري أن علماء القانون قد تناولوا الاتجاهات الحديثة للتنظيم القضائي من عدة ابعاد، فتناولوها من منظور وظيفي للقضاء (اي من حيث جهاته ومحاكمه التي أزدادت مؤخراً بمحاكم الأسرة والمحاكم الإقتصادية)، وتناولوها من منظور شخصي للقضاء (اي من حيث الهيئة القضائية واعوانها الذين ازدادوا مؤخراً بلجان التوفيق ولجان تسوية المنازعات وهيئات التحضير الاقتصادية والخبراء الإقتصاديين). ويرمي الكاتب في بحثه الي تناول الاتجاهات الحديثة للتنظيم القضائي من منظور المتقاضين جميعهم، بإعتبارهم اصحاب "حق التقاضي"، ولحاجة التقاضي بصفه عامة (لا التقاضي الاسري وحده او التقاضي الاقتصادي وحده) الي تحديث معاصر لعلاجه من بعض اوجه الإختلال، ولحمايه اصحابه من الكثير من اوجه المعاناه.
ويري الكاتب ان العلم القانوني العربي قد تناول "حق التقاضي" مستخدماً أدوات القانون الدستوري معتبراً إياه حقاً عاماً او حرية عامة او رخصة عامة، لذا يدعو الي الخروج من هذه النظرة التقليدية وبحث الموضوع بحثاً علمياً متخصصاً بإستخدام ادوات القانون الإجرائي. ويدعو كذلك الي بحث الموضوع من منظور عربي اصيل، يعتمد علي علم القانون المقارن بغية التعلم من أخطاء النظم القانونية المقارنة وليس مجرد النقل عنها. لذا فإنه يبحث عن الجذور الأولي لحق التقاضي، لا في النظام القانوني الفرنسي وحده، ولا في النظام القانوني اللاتيني وحده، ولا حتي في التاريخ الفقهي للمسلمين وحده، بل في الجذور الأولي لكل ذلك: في القانون الإلهي، معتمداً علي "الدستور الإلهي المعاصر (القرآن) ولائحته التنفيذيه (السنه)".
وعبر تناوله لطبيعة ونطاق حق التقاضي، يري الكاتب أن نشأة حق الطعن يمكن رده الي عصر يوسف عليه السلام رغم غلبة الإجراءات القضائية الشفهية في هذا العصر، ويري أن حق الطعن الجنائي اسبق في الوجود تاريخياً من حق الطعن غير الجنائي. ويري كذلك أن " حق الدعوي يختلف عن حق التقاضي الذي يتسع مضمونه لأكثر من دعوي واحدة، لكنه لا يتسع لأكثر من دعويين متعاقبتبن زمنياً، وبالتالي فالأصل ان التقاضي علي مرحلتين بالأقل وبالأكثر".
ويري ان إختزال حق الطعن له مظاهر عديدة في النظام القانوني المصري الحالي، ويعده "بدعة فرنسية الاصل استوردتها مصر من خلال القوانين المختلطة ... ووتوراثتها بعد ذلك قوانين المرافعات المدنية والتجارية والإجراءات الجنائية المتعاقبة، ثم تنامت في مصر في سبعينات القرن الماضي". لكن "منذ عام 2008 وبمناسبة صدور قانون المحاكم الإقتصادية (120-2008)، اتجه المشرع المصري الي العدول عن تلك البدعة الفرنسية، وبالتالي لم يأخذ المشرع بها بشأن احكام المحاكم الإقتصادية (سواء الأحكام الجنائية او غير الجنائية، وسواء الاحكام الجنائية في مواد الجنح او في مواد الجنايات ...)".
ويري أن "هذا الإتجاه محمود للغايه، ولو ان المشرع لم يأخذ به بعد إلا في التقاضي امام المحاكم الإقتصادية، بإعتبارها جهة قضاء فرعية ثالثة مستحدثة داخل جهة المحاكم، إنما ينبغي تعميمه بالنسبة للتقاضي امام المحاكم المدنية والتجارية وكذا امام المحاكم الجنائية (حتي فيما يتعلق بدعوي الجنايات)". بل يري ايضاً تعميمه بالنسبة للأحكام والقرارات الصادرة في المسائل الدستورية ، حتي ولو لم توجد دوائر إستئنافيه في نظيراتها من المحاكم العليا.

Saturday, April 3, 2010

مجلس الشيوخ وتغيير المؤسسة البطيئة

-->
أستضاف معهد بوب دول للسياسة العامة فعاليات مؤتمر "مجلس الشيوخ الأمريكي وتغيير المؤسسة البطيئة" في 25-26 مارس 2010. تناول الخطاب الافتتاحي للمؤتمر موضوع السياسة الخارجية لمجلس الشيوخ الامريكي، لتبدأ وقائع جلسات ثلاثة للمؤتمر: الجلسة الاولي عن مجلس الشيوخ وتحليل الأداء المهني لاعضاءه من 1960- 2010، والثانية عن الأحزاب وإجراءات عرقلة التشريعات لحسم الخلافات بشأنها، والثالثة عن السياسات العامة ومعايير الموافقة علي الترشيحات الرئاسية لتولي المناصب العليا.

تناول المتحدثون ثلاثة حزم تشريعية كموضوعات بحثية للمقارنة فيما بينها: حزمة قوانين الإصلاح المالي، وحزمة قوانين الإصلاح الصحي، وحزمة قوانين الإصلاح البيئي. وكان اللافت للإنتباه اجماع اغلب المتحدثين علي ان اغلب السياسات العامة التي تم التوصل اليها وصكها في هذه القوانين تعكس ان مجلس الكونجرس الامريكي مازال يحكم العمل التشريعي من قاعدة شعبية وسطية، يحتل الحزبين الديمقراطي والجمهوري مقعدين متجاورين فيها. ورغم شدة الخلاف بين الحزبين –خاصة حول السياسة العامة للإصلاح الصحي- إلا أنهما جدالهما ظل محكوماً بإتفاق علي السياسة العامة للضمان الإجتماعي (ومن صوره الرعاية الصحية) والسياسة العامة للكفاءة الإقتصادية (ومن صورها إدارة خدمات طبية بصورة فعالة ومربحة). ويبقي الخلاف بين الحزبين حول التوصل الي صيغة وسط تضمن رعاية صحية لأكبر قاعدة شعبية ممكنة عبر تشجيع القطاع الخاص علي الإستثمار فيه بشكل ربحي غير مبالغ فيه بدلاً من تحميل الحكومة الفيدرالية اعباء تقديمها بكلفة أعلي وكفاءة أقل من القطاع الخاص.

تناول المؤتمر جوانب شيقة في تاريخ مجلس الشيوخ، مثل تاريخ الحركات التصحيحية لإختلالات مجتمعية، كمعالجة حالا التمييز السلبي ضد المرأة او الزنوج بتشريعات مؤقتة للتمييز الإيجابي لصالحهما، ومثل محاولة قادة الحزبين الديموقراطي والجمهوري ترسيخ تقاليد واعراف برلمانية وصكها في اللائحة الداخلية لمجلس الشيوخ من أجل تقليل اثر الخلافات السياسية علي جدوي وكفاءة العملية التشريعية، كالمكانة الادبية لزعيمي الأغلبية والأقلية في المجلس، وقدرتهما علي مراعاة وحدة الصف الحزبي، واتفاقهما علي عدم مفاجأة اي منهما للآخر بحركات حزبية غير متوقعة تسعي لكسب سياسي قصير المدي يضر بأهداف العمل البرلماني علي المدي البعيد.

Friday, March 19, 2010

محاضرة: تحقيق جرائم الإتجار بالبشر

-->
نظمت اسرة القانون الدولي بكلية القانون بجامعة كنساس محاضرة عن "الإتجار بالبشر: التحريات والإدعاء والتطورات القانونية". ألقي المحاضرة المدعي العام بوحدة جرائم الإتجار بالبشر بوزارة العدل الأمريكية جون ريتشموند. دارت المحاضرة حول نقاط خمسة تمثل أخطاء شائعة سعي المحاضر الي تصحيحها.

الخطأ الاول: أن جريمة الإتجار بالبشر تتطلب توافر عنصر اجنبي لقيامها، سواء تجسد هذا العنصر في جنسية أجنبية للجاني او الضحية، أو تجسد هذا العنصر في وجود اقليم سياسي أجنبي جزءاً من مسرح الجريمة.

والصحيح –كما اوضح المحاضر- أن الجريمة تقوم بدون اي حاجة الي عنصر اجنبي بها، فهي تتحقق بتوافر إحدي صور الإتجار فعلاً وقصداً، بغض النظر عن جنسية الاطراف وبغض النظر عن امتداد مسرح الجريمة الي اقليم اجنبي آخر.

الخطأ الثاني: ان الإتجار بالبشر إن هو إلا صورة من صور تهريب البشر عبر الحدود.

والصحيح: ان جريمة الإتجار بالبشر Trafficking تختلف عن جريمة تهريب البشر عبر الحدود Smuggling. فلجريمة التهريب عدة خصائص تميزها عن الإتجار تدور أغلبها حول مدي الحرية التي يتمتع بها من تعامل مع الجاني (سواء في سعيه لطلب خدمات الجاني او في مغادرته عقب تقديم الجاني لخدماته) والمدد الزمنية الذي تستغرقه الأفعال الإجرامية.

الخطأ الثالث: أن الإتجار بالبشر يهدف الي استغلالهم في أعمال غير اخلاقية منافية للآداب.

والصحيح: أن الجريمة تقوم بتوافر إحدي صور القصد الجنائي في الإتجار سواء كان هدف الجاني هو استغلال الضحية جنسياً او مهنياً اوجسدياً بصفة عامة (استرقاق او عمل سخرة اواستئصال اعضاء).

الخطأ الرابع: أن القوانين الأمريكية المنظمة لمكافحة الإتجار بالبشر معاصرة وشبه مستقرة.

والصحيح: أن الجهود التشريعية تعود الي إصدار قانون العبودية عام 1808، واستمرت حتي صدر قانون حماية ضحايا الإتجار عام 2000، ومازالت الجهود التشريعية جارية لفض عمومية نصوص القانون الأخير، وجعل عملية المكافحة أكثر فعالية.

الخطأ الخامس: أن عنصر الإكراه الذي يقوم به الركن المادي للجريمة يقصد به الإكراه المادي فقط.

والصحيح: ان الإكراه الذي يتحقق به الركن المادي يمتد الي كلا من صور الاكراه المادي والمعنوي، بل ويشمل الاخير التهديد بإستخدام وسائل قانونية مشروعة (كالتهديد بإبلاغ مصلحة الهجرة بوجود مهاجرين غير شرعيين) بل وحتي الإدلاء بتعليقات ذات دلالة تهديدية (مثل الإشارة الي علاقة قرابة او صداقة بمسئولين او برجال شرطة).



موضوعات ذات صلة
الاختلاف علي مواد مكافحة الاتجار بالبشر من حيث الصياغة

المرأة القاضية والثقافة القانونية

أصدرت المحكمة الدستورية امس قرارها التفسيري رداً علي الطلب المقدم اليها من وزير العدل بناء علي طلب من رئيس الوزراء. أري قرار المحكمة التفسيري بمثابة نقطة تحول في حياة هذا الوطن من ثلاثة زوايا مختلفة: الاولي تتعلق بطلب التفسير من المحكمة، والثانية تتعلق بالتفسير الصادر عن المحكمة، والثالثة تتعلق بإهتمام المجتمع -مؤسسات ومواطنين- بالنزاع بوجه عام وبتطوراته القانونية بوجه خاص.


فمن ناحية اولي، يمثل طلب التفسير المقدم من رئيس مجلس الوزراء الي المحكمة الدستورية العليا مؤشراً علي بداية علاقة صحية بين سلطات الدولة، وعلي الأخص التنفيذية والقضائية. سلطات الدولة المعاصرة ثلاثة: سلطة تتولي تمثيل فئات الشعب (السلطة التشريعية) وسلطة تتولي إدارة اعماله (السلطة التنفيذية) وسلطة تتولي فض نزاعاته (السلطة القضائية). ولتحقيق افضل جدوي من هذه السلطات، تعمل كلا منها بصورة تلائم طبيعتها، فالممثلة للشعب تتفق او تتوافق علي اولوياته، ووالمديره لأعماله تسخر كفاءاتها وتنمي مواردها لتحقق اولوياته، والقاضية في اموره تجتهد لفض نزاعاته وحماية جهوده لتحقيق اولوياته. ولأن السلطات الثلاثة لا تعيش في جزر منعزلة عن بعضها فإنها بحاجة الي إطار يرسم حدود علاقاتها ببعضها البعض. فيتولي الدستور رسم اطار يوازن بين ضرورة التعاون والتنسيق بين هذه السلطات الثلاثة بما يضمن وحدتها الوطنية و بين ضرورة استقلال كل منها بما يضمن حرفيتها المهنية. وتجتهد المحكمة الدستورية العليا لتوازن بين اولويات اجنده وطنية واحدة لكل مؤسسات الدولة واعتبارات الحرفية المهنية الخاصة بكل مؤسسة. وفي مسألة (تعيين المرأة قاضية إعتباراً من السنة القضائية القادمة)، لجأ رئيس الوزراء الي طريقة محمودة يحاول بها حل نقطة تري فيها السلطة التنفيذية خيراً للمجتمع ويختلف معها في ذلك أعضاء الجمعية العمومية لمجلس الدولة (مع ملاحظة ان اختلافهم يتعلق بإرجاء التعيين لإعتبارات الملائمة وليس رفض التعيين من حيث المبدأ). واللجوء الي الدستورية العليا اسلوب راق يعزز علاقة صحية بين مؤسسات الدولة وينبغي دعمه مجتمعياً ليصبح منهجاً قانونياً لا معارضته فيؤول تكنيكاً سياسياً.


ومن ناحية ثانية، يمثل الاسلوب الذي انتهجته المحكمة رداً علي طلب التفسير منهجاً قضائياً محموداً سمي الأسماء بمسمياتها القانونية ووضع قضية مجتمعية في نصابها الصحيح. فما طلب من المحكمة تفسيره تعلق بنصين، الاول يتناول المقصود بـ "مصرياً" كشرط للتعيين بمجلس الدولة في حدود مدي سريانه علي المرأة، والثاني يتناول "المختص" بمجلس الدولة بأمور التعيين في حدود مدي اختصاص الجمعية العمومية لمجلس الدولة بهذا الامر. فرفضت المحكمة تفسير المقصود بـ "مصرياً" لأن النص المطلوب تفسيره يتعلق بجنسية المتقدم للتعيين بمجلس الدولة وليس جنسه. وقامت المحكمة بتفسير "المختص" بشئون التعيين موضحه انه المجلس الخاص وليس الجمعية العمومية. وخلاصة موقف المحكمة انها أرتأت الا تحدد موقفها من مسألة (تعيين المرأة قاضية بمجلس الدولة إعتباراً من السنة القضائية القادمة) عبر قرار تفسيري لنص لا يعالج مباشرة المسألة محل الخلاف. وحسناً فعلت، وإلا لاُخذ عليها تحميل نص القانون ما لا تحتمل.


ومن ناحية ثالثة، يمثل اهتمام المجتمع بالمسألة وتطوراتها القانونية نموذجاً لاهتمام مجتمعي بأوجه ثقافة قانونية تشتد الحاجة اليها ونحن علي اعتاب الإنتقال من مرحلة امن الطوارئ وقوة السلاح الي مرحلة امن التقاضي وقوة القانون. أتمني ان يقف الجميع مع سيادة القانون، وأتمني ان يتحد اهل القانون – واولهم القضاة- لدعم سيادة القانون، وان يحتفي اهل الاعلام –واولهم الصحفيين- بالجانب الإيجابي فيما يحدث، وألا يحمّل المجتمع –ونصفه المرأة- الخلاف اكثر مما يحتمل.